في صغرنا لم نكن نرى غير الرمال تحيط بنا في منطقة "جميرة" والباسقات (النخيل) في كل مكانٍ وهناك سيف(شاطئ) البحر الهادئ الجميل والفضاء الواسع الذي كم تخيلناه ملكاً لنا، فنحن نلهو في البحر والبرّ معا لا يحجبنا عنهما حاجبٌ ولا خوفٌ بل الأرض كأنها عجلات تحت أقدامنا، وكم يعجبنا مساعدة الشباب والرجال الأقوياء وقت صيد العومة "السردين" الذي تشتهر به منطقتنا، فما يكون منهم إلا أن يهدونا منها لنعود بها إلى البيوت ونحن في فرحٍ كبير، وهناك الصيّادون في سفنهم الصغيرة ولو أهوى أحدهم بيده على حجرٍ لقسمه قسمين من قوّتهم وصحتهم وكثرة أعمالهم اليدوية، ثم كبرنا وكبروا فركنوا إلى الدعة والراحة وتركوا أعمال البحر على كاهل الأُجَراء من الجنسيات الهندية والبنغالية وغيرها وأصبحت السيارات تحلُّ محلَّ المشي ولو للذهاب إلى المسجد القريب، وصار أكلهم كله من المستورد المُبرّد من كل بقاع الأرض واختفى الطعام الطازج إلا نادراً فابتلوا بالوهَنِ والضعف والأمراض من ارتفاع ضغط الدم والسكري وغيرهما، وهمْ منْ همْ قوةً وشدةً وصحّةً في الماضي، ويمكن أن أقرّب لكم وصفهم في شبابهم وفتوّتهم لقد كان الواحد منهم -ولا أبالغ- يساوي ثلاثة رجال منّا هذه الأيام، فأين هم الآن بعد تقلّب الأحوال وتركهم الرياضة الطبيعية وأعمالهم المفيدة؟
جمهورية جُزُر "مارشال" القريبة من جزر "هاواي" الأميركية نتشابه - نحن شعب الإمارات - مع أهلها في حالة الانتقال الإختياري التي مرّت بها بلادنا مع فارق المستوى المعيشي بيننا وبينهم ولكنّهم مثلنا، فمن الأعمال الشاقة التي جعلتهم في الماضي أهل جلَدٍ وقوةٍ وصبرٍ وكان أكلهم من الأسماك والفواكه الطازجة وجوز الهند وخبز الفاكهة فنحتت لهم الحياة أجساما رياضية، فانتقلوا تدريجيا إلى حالة الرخاء والراحة والسكون التي أدخلت أهلها في الخمول وكثرة البدانة والإكثار من أكل كلّ ما ترمي به مصانع الأغذية في العالم بنافعها وضارها وترسله ليلَ نهار إلى موانيء الدول المستهلكة، فوقعت في شباك السمنة واستولى عليهم مرض "السكري" بشكل خطير خلال 60 سنة أى في جيلين إذا اعتبرنا الجيل 30 سنة وقد تأخرت حكومتهم جداً في اتخاذ أيّ إجراء للحدّ من هذا الداء المزمن حتى قامت جمعية كندية تبشيرية تعتني بالطبّ والصحّة مؤسسةٌ منذ1981م تسمى "كانفسباك" بالقيام بعملٍ مشرّف وكبيرٍ لمحاربة هذا العدو الذي يعيش بين أضلاع أهالي جزر"مارشال".
تأسيس فريق "العافية"
في عام 2005 م قامت مؤسسة "كانفسباك" بالاتفاق مع وزارة الصحة المارشالية والتعاون مع جامعة "لوما ليندا" الكندية المتخصصة في مجال علوم الطبِّ منذ 1905م ويدرس فيها أكثر من 4000 طالب وهذا يعني اشتراك المال والسلطة والعلم والخبرة في تنفيذ هجوم كاسح على مرض السكري في هذه الجمهورية الناشئة، فقامت بتأسيس ما سموه فريق "العافية" من خيرة الأطباء والمتطوعين فدرسوا حالة المرضى وبدأوا في العمل سنة 2006 م حيث تم اختيار مكانٍ كان يعالج فيه مرضى السلّ والجذام وقاموا بتحويله إلى مركز صحي متكامل من حيث:
تجهيز المطبخ الطبي للأغذية الصحية.
المختبرات.
صالات رياضية.
غرف للمحاضرات.
مكاتب إدارية
وبدأت عملية العلاج فنجحوا نجاحاً باهراً مما أثار إعجاب الأهالي وجعل الناس ينتظمون بشكل كبير في هذا المركز، ومن قراءاتي لشهادات الذين تخرجوا من المركز الصحي بعد تغيير أسلوب حياتهم من حيث الغذاء وممارسة الرياضة يمكن القول أنّ الصحة التي يشعرون بها بعد خروجهم من التدريب كانت جائزة عظيمة لهم يقول أحدهم واسمه هاينه:
"لقد عانيت من سكتة دماغية بسبب مرض السكري وكنت على كرسي متحرك، لم أستطع المشي لسنوات عديدة وبعد الانضمام إلى البرنامج الصحي لمدة ستة أشهر تخلصت من الكرسي المتحرك وأنا أكثر صحة الآن مما كنت عليه، إن هذا البرنامج يوفر لشعب "مارشال" الأمل والصحة."
النتيجة
أتمنى السفر إلى هذه الجزر ودراسة كيف نجح هؤلاء في هذه الحرب الشعواء على داء السكري والاستفادة من خبراتهم فإننا في أشد الحاجة لهذه الخبرات فقد تفاقم الوضع جدا، والأمراض تفتك بالناس فلا تتأخروا.