سألوا أحد أعيان الإمارات الذين أصيبوا منذ زمن طويل بداء "السكّرى"، هل أتعبك هذا المرض وقد مضى عليك وقتٌ طويل وأنت تعاني منه؟ قال: لم أعان منه يوماً لأنّه زميلٌ يحترمك إذا احترمته! وهذه الحكمة لو تدبّرناها وقارناها بالواقع الأليم الذي يعيشه كثير من الناس، في إماراتنا الحبيبة وفي الخليج العربي بأسره وفي كثير من دول العالم، لوجدناها هي العلاج المجرّب الوحيد في مثل هذا النوع من الأمراض الخطيرة، وذلك إن لم يتخد الإنسان نفسه إجراءاتٍ كافية ليتقيه قبل وصوله، فإن وصل إليه - وحفظكم الله جميعا أعزائي - فلا بدّ من العمل على تقليص أضراره وتحجيم خطره باحترامه كما قال ذلك السريُّ الحكيم. 

ولكن كيف يحترم الإنسان عدوّه اللدود؟ قلتُ: ذكرت هنا قول العباس بن الأحنف (188هـ)، إذ كان يعالج موجدة عظيمة من الحبّ فخلّدها في شعره، فقال:

 

قلبي إلى ما ضرّني داعي

                        يكثر أسقامي وأوجاعي

وقلمّا أبقى على ما أرى

                     يوشكُ أنْ ينعاني النّاعي

أسْلمني للوجدِ أشياعي

                 لمّا سعى بي عندها الساعي

كيف احتراسي من عدّوي إذا

                  كان عدّوي بين أضلاعي؟

 

نعم، لقد ضرّه قلبه بالعشق وطلبِ المحبوب، كما ضرّ المرضى اليوم الأكل وقلّة الحمْية والرياضة حتى أصيبوا بداء "السكري" فأكثر أسقامهم وأوجاعهم، وكيف يحترس المرء من عدّوهِ وعدوّهُ مختفٍ بين أضلاعه وأحشائه لا يستطيع الهروب منه؟ ولكن إن قلتُ هذا فلا يمكننا أبداً أن نقف مكتوفي الأيدي، فليس هذا الأمر آخر الحياة، فهناك طُرُقٌ كثيرة للوقاية والحماية، وسأعرض عليكم ما أظنه من أهمّ أساليب الوقاية من هذا الداء، ثم كيفية احترامه إن وقع، ولهذا أقول أولا:

التعليم

إنّ تعليم الأجيال الناشئة من أهم الأمور التي تساعد على هزيمة "داء السكّرى" أو تقليل ضرره عليها، فكلما زادت التوعية من الصغر حول النظام الغذائي الصحيح واتباع الحمية المفيدة وممارسة الرياضة من غير تقصيرٍ ولا إسرافٍ، كان ذلك نصراً مؤكداً لنا على هذا الداء العجيب.

ولا يقتصر التعليم على المدارس فقط، بل يجب أن يكون التعليم في البيت وفي المدرسة والجامعة، ومن خلال وسائل الإعلام من صحفٍ وإذاعاتٍ وتلفزيونات، وفي كلّ مكان يمكننا أن نوصل هذه الرسائل إلى الناس، وخاصة هذا الجيل الذي أولع بأكل المعلبات والأطعمة المحفوظة الرديئة والتي تحتوي على مواد حافظة كثيرة، وعلى ما ليس يعلم ما فيه إلا الله، من المواد المسرطنة وغيرها، مما أدى إلى انتشار السمنة والخمول حتى رأينا المستشفيات وهي تغص بالشباب المرضى، ويا أسفاه على الشباب الضائع في غير شيء ونحن أحوج الخلق إليه ولنفعه.

لجنة اتحادية لمكافحة «السكري»

وإنّي أقترح بقوة إنشاء لجنة اتحادية عاجلة لمكافحة "السكّرى"، وتنظيم كل ما يمكن تنظيمه من مناهج تعليمية ومحاضرات وبرامج تلفزيونية ومعلومات ترسل تباعا إلى الصحف والإذاعات، ومراجعة كافة الأطعمة المستوردة ودراسة خطرها على أهالي الإمارات، والحدّ من انتشار المطاعم السريعة وتحويلها إلى مطاعم نافعة ومفيدة للصحة.

وكذلك يجب أن تسنَّ هذه اللجنة مع الأطباء من أهل الاختصاص، قوانين لحفظ المواطنين من تلاعب التجّار بالمواد الغذائية، والتشديد على استيراد الأطعمة غير الطازجة قدر الإمكان، والتخلص من كل ما هو مضر بالصحة العامة، ويجب عليها كذلك العمل مع الأندية الرياضية للقيام بكلِّ ما يلزم لحثّ المواطنين على ممارسة الرياضة وجعلها أسلوباً للحياة، كما فعلت دولة "الصين" منذ زمن بعيد وهي تجني اليوم ثمار هذه الثقافة.. وللمقالة بقية.