للمجتمع الإمارتي والخليجي وضعٌ خاصٌّ يختلف عن باقي دول العالم ومن لا يعرف هذه المسألة فلن يصل إلى نتيجةٍ صحيحةٍ وكلُّ من يستخدم العواطف الجياشة والكلمات الرنّانة لإثارة الرأي العام في دولتنا الحبيبة مركّزاً على التهويل من موضوع العاطلين عن العمل فإنه يحتاج أن يثبت لنا بالدليل القاطع بأنّ الدولة تعاني منه أصلا وكلّ هذه الوظائف موجودة في الدولة بل الوظائف في ازدياد والحكومة بمؤسساتها وهيئاتها ودوائرها تبحث عنهم، وهناك قوات مسلحة وأجهزة شرطية تطلب الشباب في كل حينٍ، فإذن ما هو جواب السؤال الذي طرحته أمس: من هو "البطّال" أو العاطل عن العمل؟ قلتُ: الجواب في آخر المقال.

البحث عن التخصصات

لي قريبٌ يدرس في مجال الهندسة لسنواتٍ وهو في غاية الذكاء ،ما شاء الله، وقبل تخرّجه طلب الانتقال إلى تخصصٍ آخر في كلية "إدارة الأعمال" فقلت له: ويحك لم يبق على تخرّجك شيء فقال: أبحث عن تخصّصٍ أسهل، فقلت: دولتك تحتاج إلى المهندسين أكثر من حاجتها لهذا العدد الهائل من خريجي إدارة الأعمال، فقال: أريد الأسهل، فقلت: وا أسفاه على المال الذي صُرف عليك ووا أسفي على مستقبل بلادي إذا كان هذا تفكير الجيل الجديد! ومتى سترتقي الدول وتحافظ على تقدّمها ورقيّها إذا كانت الأجيال الجديدة تبحث عن التخصّصات السهلة ثم بعد تخرّجها تريد المكان الأرقى والراتب الأعلى والوظيفة الأسهل بل تتوقف عن قبول الوظيفة حتى تصل إلى ما تريده وهذه طامّةٌ كبرى منشؤها الدلال المفرط للجيل الجديد، ولا أظنهم إلا كما قال المتنبي:

وكمْ ذنبٍ مولّدهُ دلالٌ

               وكمْ بعدٍ مولّدهُ اقترابُ

ولهذا أحثُّ كل من لديه السلطة من وليِّ أمرٍ للطالب إلى ما فوقه أن نعمل متعاونين على توجيه أبنائنا وبناتنا للأفضل والأصلح من التخصصات العلمية ولنحثّهم على رفع مستويات خبراتهم وكفاءتهم لتقليل نسبة العمالة الوافدة بزيادة التخصصات لطلبتنا في شتى المجالات المناسبة.

البحث عن الوظيفة المناسبة

هناك جيلٌ خرج في وقت الرخاء ولا يعلم قدر المعاناة التي عاشها آباؤهم ويظنون أنّ العمل المريح والسهل هو الذي سيجعل عيشهم في راحة وهناء، والحقيقة أنّ هذا الأمر جدُّ خطير بل يؤدي إلى تقدّم الدول ولكن إلى الوراء إن صحّ التعبير، لأنّ في الدولة كثيراً من الأعمال التي تحتاج إلى خبرات وتخصّصات عالمية ولا يمكن أن تسلّم لشخص غير كفؤ ولو كان مواطناً لأنّ ذلك سيفضي إلى مصائب كبرى من مثل أعمال البترول والكهرباء والطيران والتخصصات الخاصة الأخرى التي لا يمكن التغاضي عن خبرة الموظف فيها، وللأسف لقلة المواطنين من أصحاب الخبرات تقوم الدولة باستقطابها من الخارج، ولهم كلُّ الحق في ذلك حتى يجدوا البديل المناسب من مواطنيها وهذا نفسه الذي تفعله جميع دول العالم المتقدمة منها والمتخلفة بزيادة ونقصان حسب المستوى العلمي والعملي العام فيها، وعلى هذا نريد من الشباب الباحث عن العمل أن يقبلوا بالوظيفة التي تقدم لهم وليرضوا بالراتب ولو كان قليلا حتى يبنوا خبراتهم مع مرور الأيام وليتابعوا تحصيلهم من الخبرات العلمية والعملية ولا ييأسوا حتى يتمّ لهم النجاح.

الواسطة

يعمد كثيرٌ ممن لم يُقبل في وظيفةٍ ما أو وجد وظيفةً ورفضها لأسباب في نفسه فيتحجج بأنه لا يملك واسطة فلان الذي قُبل من أول يوم، وأقول لهم: وهل في كلّ مكان تبحثون فيه عن العمل يحصل نفس الأمر؟، ألا تفكرون في أنفسكم أبنائي وتنظرون لماذا لم تقبلوا حتى الآن وقبل غيركم؟ أو لماذا ترفضون وظيفةً براتبٍ أقلّ مما كنتم تتوقعونه لكي تنتقلوا إلى وظائف أعلى إن صبرتم وأدّيتم الواجب الذي عليكم؟

والحقيقة التي لا بدّ أن أختم بها هي: إن الوظائف في الدولة كثيرة جداً في بلادنا الطيبة ومن لم يجد وظيفةً حتى الآن فلا مانع أن يطلب من أحدٍ أن يشفع له في مكانٍ يرغب أن يعمل فيه إذا لم يضر بالآخرين وهذا من باب التعاون على الخير، ومن هنا أستطيع أن أعرّف "البطاّل" باختصارٍ: هو من يأتيه العمل ويتكبّر عليه أو من ينتظر أن تُسقط عليه السماء ذهباً وفضة وهو جالسٌ في بيته.