قبل تكملة مقال أمس عن "البطالة" في الإمارات ومدى مصداقية وقوع هذا الأمر في بلادنا الحبيبة، أريد أن أعود قليلا إلى مفردة "البطالة" وهل استخدامها صحيح في اللغة؟ وهل تطابق هذه الكلمة في لغتنا الفصحى ما تعارف عليه عرب اليوم من معناها؟ وأقول: البَطالة في العربية تعني: الشجاعة وهي البطولة أيضاً، وتعني كذلك اللهو والجهالة، وهذه الكلمة أكثر شيوعاً في كتب الأولين وأشعارهم. ومن معانيها أيضاً تعطّل الأجير عن عمله، يقول صاحب لسان العرب: "بَطَل الأَجيرُ بالفتح يَبْطُل بَطالةً وبِطالةً أَي تَعَطَّل فهو بَطَّال".

ونحن في لهجتنا الشعبية نقول: فلان "بطّالي" ونستخدمها للذمِّ، ونعني بها الذي لا عمل له أو المخادع، والمعنى الأخير أكثر استخداماً.

ومن هذا الاستعراض السريع لمعاني مفردة "البطَالة" سوف نكتشف أنها كلمة تصلح للمدح في معنى الشجاعة، وللذمِّ في معنى الجهالة، وتستخدم أيضا لوصف حالةٍ كتعطّل الأجير عن عمله.

ولأنّ اللغة العربية واسعة ويمكننا أن نجد مفردة أفضل من كلمة "بطالة"، فإنّي أقترح كلمة أقرب وهي "العطل"، ويمكن إذا وافقت المجامع اللغوية أن يجعل الاسم منها "العطالة"، وقد قال صاحب "مقاييس اللغة": "العين والطاء واللام أصلٌ صحيحٌ واحدٌ يدلّ على خلوٍّ وفراغ".

وهذا في ظنّي هو المعنى الأقرب والأشمل، لأنّ "البطالة" تستخدم هذه الأيام لمن لم يبحث عن عملٍ ولم يجده، وكذلك لمن كان أجيراً وتعطّل عن عمله لأسباب شتّى سنتكلم عنها في ما يأتي.

من هو البطّال؟

بعد هذه الجولة اللغوية يمكننا أن نعود ونتحدث عن موضوع "البطالة" و"البطّالين"، أو لنقلْ كما أحبُّ أن أسميهم "العاطلين"، ولنبتعد عن الإحصائيات الرسمية أو غير الرسمية ولنتجنب المبالغات التي أراها في زيادةٍ مطردةٍ من جرّاء جهالة بعضهم، أو من قِبَل بعض الحملات المشبوهة التي يقوم بها بعض من لا همّ له إلا تشويه صورة بلادنا الطيبة الإمارات، بل يسعى حثيثاً إلى ثلبها والنيل من سمعتها بكلِّ ما أُوتي من قوةٍ وإمكانياتٍ، فهو يظهر شعاراتٍ مزيّفة لا تمتُّ إلى الواقع بقِيد أُنملةٍ، ولكنّ داءً دويّاً في قلبه يجعله لا يكَلُّ ولا يمَلُّ عن الطعن في حضارتنا ومكتسباتنا التي أنجزناها بفضل الله، ثم بفضل رجالٍ مخلصين من قادتنا الكرام ومن ساهم معهم من هذا الشعب الطيب الشهم، ولكنّي أقول لهذه الفئة: إنّكم لا تفلحون في شنَآنكم وبغضكم ولن تضرّوا إلا أنفسكم ولن توهنوا إلا قرونكم الواهنة، وصدق الأعشى إذ يقول في أمثالهم:

كناطحٍ صخرةً يوماً ليوهنها

                     فلمْ يضرْها وأوهى قرنهُ الوعِلُ

وإذا تمّ الاتفاق بيننا أيها الأعزاء على أن نبحث بجدٍّ عن ماهيّة هذه المشكلة، وكيف يمكن أن نحلّها إن كانت موجودة، فلنسأل أولا هذا السؤال: من هو "البَطَّال" أو "العاطل" عن العمل؟ والجواب الذي سأجيب به يبدأ بإخراج هذه الفئات الآتية، وهم:

- الأطفال وهم نسبة كبيرة من مجتمع الإمارات.

- الطلبة حتى يوم تخرجهم من الدرجات العلمية المختلفة، وهم أيضاً نسبة كبيرة في الدولة، فمن كان يدرس لنيل درجة الدكتوراه مثلا وقد تجاوز الثلاثين فلا يسمّى "عاطلا".

- البنات في البيوت ممن تركن الدراسة بعد الثانوية أو قبلها، لغرض الخدمة في بيوت آبائهنّ أو للاهتمام ببيوت أزواجهنّ كما جرت العادة في مجتمعنا، وخاصة في القرى والمناطق البدوية.

- خريجات الجامعة من الأسر الغنية أو متوسطة الدخل أو حتى الفقيرة، التي تحافظ على عاداتها القديمة فلا يجوز عندهم عمل المرأة ولو أرادت البنت ذلك، وكذلك الخريجات اللاتي تزوجن بعد حصولهنّ على الدرجة الجامعية فآثرن تربية أبنائهن على الخروج للعمل، وهنّ بأعداد كبيرة لا يستهان بها ولا يمكن أن توصف أبداً "بالبطالة"، وإن وصفت بذلك في مجتمعات أخرى. وهنا ينبغي التنبيه على أنّ عدم العمل الاختياري بسبب الثراء أو العادات المجتمعية لا يسمّى "بطالة"، وأنّ كلّ من يتجرأ ويسمّيه بذلك فهو مخطئ جملةً وتفصيلاً.

- الخرّيجون الجدد الذين حصلوا لتوّهم على الدرجات الجامعية أو على درجةٍ أقل منها، وهم في طور البحث عن الوظيفة المناسبة ويحتاجون إلى وقتٍ حتى تتكوّن لديهم القناعة لدخولهم مكان العمل، وقد تستغرق عملية البحث أشهراً أو سنوات، خاصة من الشباب الذين لهم آباء يكفونهم مؤونة الحياة وما أكثرهم في مجتمعنا.

- المسنون من الجنسين.

- المتقاعدون في أي سنٍّ ولأي سببٍ، وإن كان تقاعداً قسرياً لا يمكن أن يُسمّى "بطالة".

- التجّار ومن يعمل لديهم من أبنائهم وأهلهم والمواطنين الآخرين، ولا توجد إحصائية بهم، فهؤلاء لا يدخلون ضمن "البطالة" وإن لم يكونوا في كشوف الموظفين عند أهل الإحصاء.

وعلى هذا التفصيل فإنّ قاعدة: "عدد العاطلين مقسوما على عدد القوى العاملة مضروباً في مائة، يساوي معدل البطالة"، والتي تستخدم في النظر إلى نسبة العاطلين عن العمل في العالم، لا تصلح لقياس النسبة في مجتمع الإمارات ولا المجتمعات الخليجية، لأن مجتمعاتنا لها ما يميّزها عن المجتمعات الأخرى.. وللمقالة بقية.