البطالة مسمّى غريب جداً على مجتمعنا الخليجي بصورةٍ عامةٍ والمجتمع الإماراتي خاصةً، لأنّ أجدادنا لم يعرفوه.. وكيف يعرفونه وهم كانوا ينحتون الجبال بعزائمهم للبحث عن اللقمة الحلال؟ وليس أدلّ على ذلك من قولهم في المثل المشهور، الذي يحثُّون به أنفسهم للبحث عن الرزق الكريم والابتعاد عن تكفّف الناس والعزة عن سؤالهم، حيث قالوا بلهجتهم العفوية المحلّية: "احمل القذر على الراس ولا حاجةٍ للناس"، وهذا المثل يشبه كثيراً قول الشاعر القديم:

لَنقلُ الصخرِ من قمَمِ الجبالِ

                    أخفُّ عليَّ من مننِ الرجالِ

يقول الناسُ: كسبٌ فيه عارٌ

                     فقلت: العارُ في ذلّ السؤالِ

ولو فكّرت في هذا المثل الشعبي القديم لوجدته مثلاً مطبّقاً لدى الماضين، وليس كلاماً ومثالاً يتداولونه بينهم، حيث عمل آباؤنا وأجدادنا في كل عملٍ يوّفر لهم معيشة يرضون عنها وإن كانت ضعيفة المردود، ولم يقولوا: هذا العمل لا يمكننا أن نعمل فيه لأننا أبناء العائلة "الفلانية" العريقة أو جدنا "فلان" الذي كان تاجراً معروفاً بين الخلائق، فكيف نضعفُ اسمه ونتخذ عملاً كهذا؟ وسبحان الله، لم يقل أجدادنا ذلك، بل جدّوا واجتهدوا وأنفقوا على أنفسهم وعيالهم، بل كانوا يتجاوزون ذلك وينفقون على جيرانهم من كبار السن والأرامل، إذ كانوا يمثّلون قمة التعاون الاجتماعي النبيل الذي لا نكاد نراه هذه الأيام إلا قليلاً.

فهل بعد كلِّ ما قدّموه من تضحياتٍ من أجل أُسَرهم ووطنهم، نزعم ونحن أبناؤهم وأحفادهم، أننا أفضل حالاً وأصرح نسباً وأعلى منزلةً منهم؟ وهل نظنُّ أننا بلغنا القمّة في العلم ولهذا نحن نستحق المكاتب الفخمة والراحة التامة وكل المميزات في المباني الوزارية والمحلية، وأجدادنا الذين كانوا يعملون بالأشهر في عرض البحر وفي وسط الأخطار وعمقها، ثم عملوا في الأسفار المهلكة ونقل البضائع، ثم عملوا في حقول البترول في الكويت وقطر والسعودية، وعملوا في رصف الشوارع وفي شركات المقاولات وغيرها من الأعمال الضعيفة، هل كانوا يستحقون ذلك لأنهم أقلّ منزلة منّا؟!

وإنْ أنسَ لا أنسَ مقولةً ظلّت في ذهني من المحاضرة القيّمة التي ألقاها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حفظه الله، "روح الاتحاد" بمناسبة الاحتفالات بمرور أربعين سنة على قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، وكان مما قال فيها: "إنّ جينات أهل الإمارات طيبة وخيرة، وبذرتها تمتلك المقوّمات كافة، التي تؤهلهم لتحقيق النمو (وتحقيق) المستحيلات إذا توافرت الإرادة".

بهذه المقولة يمكننا أن نلخص كلّ ما نريد أن نقوله في هذا الموضوع الغريب، موضوع "البطالة" الذي لم يكن في ظنّي ولا ظنّ من سبقونا أن تقع أصلاً في هذه البلاد الطيبة، التي عرفت أروع قصص النجاح والتعاون والتضحية بين أهلها في زمن الفقر المدقع الشديد، فكيف تقع "البطالةُ" في زمنٍ تشهد فيه دولتنا كل هذه النعم والتقدّم والنمو المتصاعد إلى السماء، في الإدارات والتجارة والصناعة والزراعة وغيرها؟! هذا أمرٌ لا يقبله عقلٌ حكيمٌ، ولا يصدّقه قلبٌ مدرك، وإن صدّقه فإنّ الأمر فيه خلل ويحتاج إلى علاج سريع.

فهل "البطالة" المزعومة موجودة في الإمارات؟ فإن كان الجواب: بأنها غير موجودة، فهي إذن محض افتراء ولا داعي للحديث عنها، وإن كانت موجودةً وهي حقيقةٌ تؤكدها الدراسات والإحصاءات الرسمية وغير الرسمية، فيجب أن نتحدث ببعضٍ من التفصيل عن أصلها من بدايتها وكيف يمكن حلّها؟ ولكننا يجب أن نفرَّ ونشدَّ ونربأ بأنفسنا عن النقد السلبي للدولة، وقد بدأت أشاهده هذه الأيام ينتشر بسرعة بين الجيل الصاعد، من غير حجةٍ ولا دليل.

ولنعلم جميعاً أنّ النقد السلبي لا يبني حضارة بل يهدمها بقوة، وإنما "النقد البنّاء" الذي نريده ونسعى إليه وندندن حوله، هو النقد الذي يشعرنا بأماكن الخطأ والتقصير إن حصل، مع إرفاقه بوصفة العلاج الناجعة.. وللمقالة بقية.