لكلّ زمانٍ دولةٌ ورجالٌ كما يُقال في المقولة الشائعة القديمة، ويمكن أن يضاف في هذه الأيام "ونساءٌ" لأنهنّ من غير شكٍّ يشاركن في بناء حضارات الدول كما كان يفعل الرجال وحدهم سابقا، بل أراهنّ قد تفوقن عليهم في بعض الميادين، ونحن نسلّم بصحة هذه المقولة الآنفة لأنّها مشاهدة لا يمكن إنكارها وبها يجب أن نقرّ كذلك بأنّ لكلِّ دولةٍ تاريخٌ مفرحٌ ومشرقٌ وآخر محزنٌ مؤلمٌ إذا تذكّره أهله شعروا بغصة وتجرّعوها كما يُتجرّع السمُّ الزُّؤاف، وتاريخ الدول يصنعه الأفراد كما هو معلوم ومنهم تتكون الدول العظيمة والضعيفة.
وهم بطبيعة الحال مختلفون في مستوى العلم والخبرة والتفكير والأسلوب والنظرات إلى الحياة؛ فمنهم من رزقه الله علماً رفيعاً فهو خبير في أدائه عليمٌ في حكمته وتآليفه وأقواله، وهناك من هم عكس هؤلاء بل هم أقرب إلى الفكرِ الضعيفِ المتقلّب الذي لا يفيد حضارةً ولا يُجدي نفعاً بل قد يضرُّ ويوجع من قصدٍ أو بغير قصد.
ولا تحسبوا أيها الأعزاء أنّ النوع الأول أكثر من النوع الثاني بل للأسف يشيع النوع الثاني بكثرة خاصة في المجتمعات الفقيرة التي تعاني منها معظم الدول العربية والتي لم تتمكن من أخذ نصيبها من التعليم الراقي أو لم تقدر على العيش في مجتمعات راقية تستطيع عن طريقها كسب الحضارة تدريجيا من خلال الاختلاط والصداقات، وكم يعجبني قول المتنبي في قوله الذي يشابه ما أتكلم عنه فيقول:
وَمن البَليّةِ عَـذْلُ مَن لا يَرْعَوي
عَن جَهِلِهِ وَخِطابُ مَن لا يَفهَـمُ
وَجُفُونُهُ مَا تَسْتَقــِرّ كَأنّــــهَا
مَطْرُوفـَةٌ أوْ فُتّ فيها حِصــرِمُ
وَإذا أشَــارَ مُحَدّثـــاً فَكَأنّـــهُ
قِرْدٌ يُقَهْقِهُ أوْ عَجــوزٌ تَلْطِــمُ
يَقْلَى مُفَارَقَةَ الأكُـــفّ قَذالُــهُ
حتى يَكَــادَ عَلى يَدٍ يَتَعَمّــــمُ
وَتَــراهُ أصغَرَ مَا تَرَاهُ نَاطِقــاً،
وَيكونُ أكذَبَ ما يكونُ وَيُقْسِـمُ
وَالذّلّ يُظْهِرُ في الذّليـــلِ مَوَدّةً
وَأوَدُّ مِنْــهُ لِمَنْ يَوَدّ الأرْقَـــمُ
إلى أن يقول :
وَمِنَ العَداوَةِ ما يَنَـالُكَ نَفْعُــهُ
وَمِنَ الصّداقَةِ ما يَضُـرّ وَيُـؤلِمُ
نعم إنّ هناك صداقات تضرُّ وتؤلم إذا لم نتوخّ الحذر منها ونقوم بمراجعتها وامتحان من نعرف ومن نستمع إليه ومن يجب علينا أن نخالطه فإنّ الطبائع تنتقل وتُسرق كما يقال، وإنني كلّما تذكرت هذه الأبيات العجيبة ضحكت وقلت رحمك الله يا أسطورة الشعراء ليتك كنت معنا لتعرف كيف صار الأمر عليه بعد ألف سنة.
ومن الأمور الخطيرة التي لا يهتم بها كثير من العلماء والمختصين في علوم الاجتماع من العرب هو تأثير الفكر في توجيه "الولاء" وخطورته على المجتمعات، والفكر كما لا يخفى عليكم أنواع كثيرة فمنه:
-الفكر الديني.
-الفكر الديني المتحزّب.
-الفكر المعادي للدين.
-الفكر السياسي الموجه.
-الفكر الأخلاقي ونقيضه.
- أفكار أخرى .
والذي يهمني من هذا كله الأفكار التي لها تأثير في تغيير نظرة الجماهير إلى "الولاء" إما إيجابا أو سلباً وهذا ما سأتكلم عنه باختصار.. وللمقالة بقية.