كلما قرأت كلمةً لأحد الفلاسفة الكبار عن المرأة، يشرح فيها نظراته حول صفاتها وشخصيتها، وسواء كان يمدحها فيما قال أم يذمّها، أرجعُ مباشرة إلى تاريخ هذا الفيلسوف، وأقرأ عنه وأقلّب صفحات سيرته، فأكتشف سرّ كلماته عنها، وأعرف حقيقة أقواله، لأنّ النتائج الفلسفية ما هي إلا نتائج محصّلات أحداث حصلت في محيطهم الصغير الذي عاشوا فيه، وإن رآها الناس بعد ذلك كلمات عظيمةً من رجالٍ حكماء، وقاموا بتدريسها في الجامعات والمعاهد، واستفادوا منها في مؤلفاتهم وأبحاثهم واستراتيجياتهم.
المرأة مصدر كلّ شر
لا يتخيّل مؤمنٌ بالله ورسوله؛ ممن خالط الإيمان شغاف قلبه، أن تخرج هذه الكلمة الآنفة من مؤمنٍ يعرف حقيقة الإسلام، ويعلم قدر المرأة الرفيع في الدين، ولهذا، سوف يقول مباشرة عند سماعها: من قائل هذه الكلمة الشنيعة التي تخالف شريعتنا السمحة؟، وسوف يأتيه الجواب، ويُقال له: تنسب هذه المقولة إلى شيخ الفلاسفة «سقراط» (469-399 قبل الميلاد)، فسيقول لهم: هوَ ذاك، وما تظنّون بفيلسوفٍ لا يعرف الله أن يقول، ويصحُّ هنا واللهِ أن نقرأ كتاب الإمام الغزالي (450-505هـ) «تهافت الفلاسفة».
قلتُ: لا تعجل قبل دراسة الموضوع من جميع جوانبه، فإنّ «سقراط» لم يأتنا عنه مؤلفٌ واحدٌ، وإنما نقل كلامه تلامذته من بعده، وكذلك يجب أن نقارن جميع ما قاله عن المرأة مع دراسة سيرته، ونستخرج منها النتيجة المناسبة، إنْ سلّمنا بأنّ ما قاله ثابتٌ بالراوية الصحيحة.
والحقيقة أنّ «سقراط» كانت له زوجة ظلمها التاريخ تسمّى «اكزانتيب» تصغره كثيراً، وكانت تعتني بأطفالها الثلاث منه، وتحافظ على بيتها، بل ورد ثناؤه عليها، ولكنّها مع حبها الشديد له، وقد كانت من تلاميذه قبل ذلك - كما يُروى- تكثر من لومه بسبب وضعهم المادي الضعيف، وهو لا يأبه لها، وقد يكون كلامه هذا سبباً لشدة ما يلاقيه منها، لأنّها لا تعرف قيمته العلمية عند حالة العوَز، ولا تفكّر إلا في ما سيعيّشها وأبناءها.
وربما يكون من نسب هذه المقولة له اختلط الأمر عليه، لأن «سقراط» كان يتكلم عن بعض الأقوام الذين يرون المرأة مصدر كل الشر، كما جاء في كتاب «أفلاطون»، على لسان بلوتو، عند الحديث عن أكاديمية المرأة، وقال إن «سقراط» يؤمن بأنّ الرجل السيئ لعنة، وكذلك المرأة السيئة.
أما كلام «سقراط» عن المرأة، فغالبه جميل، حيث يقول:
- «المرأة أحلى هدية قدمّها الرب للإنسان»، وهذا لا بدّ أن يقوله «سقراط» فقد كفته زوجته هموم بيته، وقامت برعايته.
- وكذلك يقول: «المرأة العظيمة هي التي تُعلّمنا كيف نُحبُّ عندما نريد أن نكره، وكيف نضحك عندما نريد أن نبكي، وكيف نبتسم عندما نتألم»، وهذه المقولة من أجمل ما قرأت في هذا الباب، وهو كلامٌ حقيقي لا شكّ فيه، فقد قال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: «الدنيا متاع، وخير متاعها الزوجة الصالحة».
ومن كلام «سقراط» أيضاً:
- «عبقرية المرأة في قلبها»، قلتُ: المتأمّل لهذه الحكمة، إذا صحّت نسبتها إليه، يمكن أن تضعه في المسار الصحيح للتعامل مع المرأة، وكيف يمكنه أن يستفيد منها إلى أبعد الحدود، لأنّ عبقريتها ليست في لسانها ولا يدها ولا أعمالها، ولكنّ تميّزها وانفرادها وفائدتها الكبرى في حنانها وعاطفتها ومشاعرها الجياشة، التي تحوّل الصحراء إلى بساتين غنّاء، وتجعل من جبال الهموم قاعاً صفصفاً، عندما يلامس رقتها خشونة الزمن وجلاميد الغمّ، هي هذه العبقرية التي خصّها الله بها، ولا تكون إلا لها، ولهذا قلتُ أمس في تغريدتي في مقهى «تويتر»: المرأة ثروةٌ عظيمةٌ، يجهل معظم الرجال الاستفادة منها. وللمقالة بقية.