لم يكن الحديث عن تاريخ مدينة «صلالة» هدفاً لي عندما بدأت في كتابة هذا المقال، لأنّي أريد التحدّث عن الحوادث المرعبة والمتكررة التي تقع في طريق «صلالة» وقد راح ضحيتها كثير من الناس وهو أمر محزن جداً، حيث يُقضى على أُسر كاملةٍ لأسباب عدةٍ، منها بسبب السائق نفسه وأخرى من جرّاء الطريق، ولمّا رأيتُ شحّاً في المعلومات حول هذه المدينة التاريخية الجميلة، ووجدت أنّ معظم الكتابات عنها لا تعدو أبحاثاً قليلة ليست للمؤرخين وإنما لمحبّي المدينة ومن بعض من زارها من الأدباء، وهذا أعدّه من الأخطاء السبعة التي يرتكبها كثير من العرب في معظم شأنهم ومنها: ترك الأمور لتعبث بها أيادٍ غير ذات خبرةٍ ولا معرفة، ومرجع ذلك عدم تدخّل العلماء المحققين وتبيين العلم للناس، فظهور المعلومات التاريخية الخاطئة ناتج عن أبحاث الهواة الذين لا يملكون أدوات العلم، ولهذا سأتابع اليوم معكم أيضاً الحديث عن مدينتنا الرائعة «صلالة» ويسّر الله لها كلّ الطُرُق فهي بلاد أهلنا أهل الطيب والكرم.

يقول الرحّالة «ابن بطوطة» (ما كان بين القوسين فهو من كلامي): أكثر سمكها (ظفار) النوع المعروف بالسردين (نسميه العومة وهي مفردة فصيحة)، وهو بها في النهاية من السمن (وهي حقيقة فعومة ظفار مشهود لها بالسمن).

ومن العجائب أنّ دوابهم إنما علفها من هذا السردين وكذلك غنمهم (بل هو علفٌ لعامة غنم وبقر المنطقة وتستخدم أيضاً سماداً للنخيل وغيره).

 ولم أر ذلك في سواها (أي في غيرها من البلدان وهذا دليل على أن أهل عمان انفردوا بهذا الأمر منذ زمن بعيد حتى اليوم). وأكثر باعتها الخدم، وهنّ يلبسن السواد (تعيينه لون السواد للبس الخدم يدلّ على أنّ النساء لم يكن يلبسنه ويلبسن ألواناً أخرى وإنما كان السواد مختصاً بالخادمة التي تبيع في السوق وفي هذا إشارة إلى بعضٍ من تاريخ اللباس في عمان).

ثم يتابع فيقول: «وهم أهل تجارة لا عيش لهم إلا منها، ومن عاداتهم أنه إذا وصل مركب من الهند أو غيرها خرج عبيد السلطان إلى الساحل، وصعدوا في صنبوق (نوع من السفن) إلى المركب، ومعهم الكسوة الكاملة لصاحب المركب أو وكيله، وللربان وهو الرئيس، وللكراني وهو كاتب المركب (مفردة الكرّاني حتى الآن تستخدم ولكن بقلة)، ويؤتى إليهم بثلاثة أفراس فيركبونها، وتضرب أمامهم الأطبال والأبواق من ساحل البحر إلى دار السلطان فيسلّمون على الوزير وأمير الجند، وتبعث الضيافة لكل من بالمركب ثلاثاً، وبعد الثلاث يأكلون بدار السلطان».

قلتُ: من هذا الوصف نستطيع التعرّف إلى عراقة حسن أخلاق أهل «صلالة» وكرمهم وخبرتهم في التجارة، والتجارة كما هو معروف لا تزيد في بلد حتى يحسن أهلها وفادة التجّار والمسافرين كما هو الحال في إمارتنا الحبيبة «دبي»، ومن هذا الباب التاريخي العريق المعروف عن أهلنا في عمان نريد من الحكومة العمانية وضع الحلول المناسبة للحدّ من الحوادث المتكررة لمستخدمي الطريق إليها فقد بلغ حداً لا يمكن السكوت عليه، وأرواح الناس تُزهق من العمانيين وغيرهم من المسافرين، وكم أتمنى أن يتم هذا بالتعاون والتنسيق مع أشقائهم الخليجين الذين يأتون وبكثرة إلى مدينة «صلالة» كلّ عام، مع التركيز على استخدام الآلة الإعلامية للتحذير والتنبيه والتعليم، وكذلك رصد كل المخالفات التي يقوم بها المستهترون باللوائح والنظُم المرورية والتي أدت وتؤدي إلى هذه الكوارث المفجعة. وللمقالة بقية.