لعلّ الرحّالة العربيَّ الكبير أبا عبدالله محمد ابن بطوطة (703-779م) الذي جال أقطار الأرض وسجلّ لنا أهمّ ما رأى قرابة ثلاثة عقود في ذلك العالم القديم الذي لا نعرف كثيرا عنه؛ لم يكن يعلم بأهمية ما كتبه وخلده في رحلته المسمّاة "تحفة النظّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار" والتي طُبعت لأول مرّةٍ في باريس سنة 1853م ثم توالت طبعاتها حتى قام العلامة الجغرافي المغربي عبدالهادي التازي، حفظه الله، بتحقيقها ومقابلة مخطوطاتها القديمة ومقارنة كلّ الترجمات الإنجليزية والفرنسية وغيرها حتى بلغ في تحقيقه الغاية وأخرج الرحلة بثوبٍ جديد لا مثيل له.

لو بحثت في كتب التاريخ ورجعت إلى ما قبل وصول ابن بطوطة إلى بلاد "عمان" وتجوّله فيها ووصفه لأهلها فلن تجد إلا أخبار الحوادث والحروب ولا نعرف شيئاً عن أحوالهم وعاداتهم ولباسهم ومأكلهم وتجارتهم وتعليمهم إلا القليل النزْرَ الذي لا يروي ظمأنا ولا يشفي غليل الباحثين، والحمد لله الذي وفّق هذا الرحّالة الكبير الذي أُطلق عليه لقب "أمير الرحالة المسلمين" في الغرب، وهو يستأهل أن يلقب بأمير الرحّالة بالإطلاق لأنه لا يصل إلى مستواه أحد قبله ولا بعده من حيث الدقة ومسافة الرحلة التي قطعها واهتمامه بالوصف وصحة المحتوى بقدر ما أمكنه ذلك.

والحقّ أقول لكم أيها الأعزاء: إنّ "ابن بطوطة" شخصٌ مكرّمٌ ومبجل عند علماء الغربيين، وقد اهتموا به غاية الاهتمام واستفادوا من رحلته كثيراً في رحلاتهم الاستكشافية الأولى، ولكنّنا -ووأسفاه- نجد في نفس الوقت من بني جلدته من يرميه بالكذب والدجل زوراً وظلماً، اللهم غفراً، ولهذا أقول لهم ما قال الحطيئة:

أقلّوا عليهم لا أباً لأبيكمُ

                       من اللومِ أو سدّوا المكانَ الذي سدّوا

ذكر "ابن بطوطة" في رحلته الشهيرة منطقة "ظفار" العمانية ووصفها باختصارٍ، ولكنّه وصف مهم وشاملٌ ولم يذكر فيما نقل اسم "صلالة" وكأنّ هذا المسمى لم يكن موجوداً في عهده وبطبيعة الحال لم يوجد من قبله وهذا يدلّ على أنّ اسم "صلالة" اسم حديث، وسوف أحاول أن أصل إلى تاريخٍ تقريبيٍّ له لزيادة متعة البحث مع ذكر اشتقاق الاسم ولكن بعد ذكر بعض ما ذكره رحّالتنا المغربي عن هذه المنطقة، وسوف أنقل لكم النصّ كما هو وسيكون ما بين القوسين من كلامي.

يقول "ابن بطوطة": ركبنا البحر من "كلوا" (مدينة تقع في تنزانيا واسمها كيلواكيزواني) إلى مدينة "ظَفار الحموض" (الصواب والله أعلم ظفار الحبوضي نسبة إلى باني مدينة المنصورة فيها أحمد بن عبدالله الحبوضي سنة 620هـ وقد أطلق عليها هذا الاسم بعد ذلك وأظنُّ أنّ ابن بطوطة سمعه من أهلها أو أهل البحر فأثبتها كما سمعها وقد اشتبه عليه الاسم فقلب الباء إلى ميم وقد تكون لغةً لأهلها في تلك الأيام وبعض العرب مثل قبيلة "بكر" تقلب الباء إلى ميم كما هو مشهور في كتب اللغة).

 (ثم قال): وهي آخر بلاد اليمن على ساحل البحر الهندي، ومنها تحمل الخيل العتاق إلى الهند (وهذا دليل على أنها مدينة تجارية قديمة ومكانٌ مهم لبيع الأخيال العراب عن طريق مينائها ومن الأهمية بمكان أن نبحث عن الوثائق الهندية بهذا الخصوص أو من خلال الوثائق الصينية فقد نجد شرحاً أوفى عن هذا الأمر)، (ثم قال): ويقطع البحر فيما بينها وبين بلاد الهند مع مساعدة الريح في شهر كامل، قد قطعته مرة من "قالقوط" (كالكوت في مليبار) من بلاد الهند إلى ظفار في ثمانية وعشرين يوماً بالريح، ولم ينقطع لنا جري بالليل ولا بالنهار.

وبين "ظفار" و"عدن" في البر مسيرة شهر في صحراء. وبينها وبين "حضرموت" ستة عشر يوماً، وبينها وبين "عمان" عشرون يوماً. وللمقالة بقية.