ساعات الترقّب والانتظار ساعاتٌ صعبةٌ جداً ففيها خوفٌ ورجاءٌ وأفكارٌ سوداوية وأنوار سماوية تمتزج في وقت واحدٍ فتختلط ألوانها ولا يستطيع الإنسان أن يميّز بينها حتى تنجلي غياية (سحابة) هذه الساعات الطويلة وتشرق الشمس من جديد على حقيقة ما حدث، ثم تزول مظاهر الخوف الذي يصدر من توقّع الشرِّ كما يقول "أرسطو"، كل هذا حصل لي عندما سمعت بخبر العثور على قنبلة في منطقة "شوابنج" التي تقع قرب محل إقامتي -

وهي منطقة مشهورةٌ بالمطاعم والمقاهي الراقية التي لا تهدأ إلى ساعات متأخرة- وقد حصل الأمر نفسه لكثير ممن يقيم في المدينة الحالمة الذي يسميها أهلها "منشن" ونغيّرها نحن العرب وغيرنا ظلماً إلى "ميونخ" مما يجعلها لا تصلح في النصوص الأدبية الشعرية والنثرية، ولهذا وجدت سعادة عندما ذكرتها بلفظ أهلها في قصيدتي "دبي الفاتنة":

من أرض"منشنَ" قد ركبنا والجوى

يُشقي الفؤادَ إذا الأحبّةُ أبعدوا

لكنْ تعوّدتُ الفراقَ وكلُّ منْ

قد طالَ في أمرٍ له يتعوّدُ

أول ذكرٍ لـ"منشن" عُرف في تاريخ الوثائق الأوروبية كان سنة (1158م) أي ما يوافق سنة (553هـ) وقد استمرت هذه المدينة الجميلة في النمو والازدهار عبر السنين، ولها قصة طويلةٌ وعجيبة مع حكامها ملوك بافاريا الألمانية الذين جعلوها عاصمة لمملكتهم ولعلّي أن أذكر بعضاً من تاريخها في مقالات أخرى، ومن أهميتها الكبيرة أنها وجدت طريقها لقلب النازي "هتلر" فهي كانت معقل النازيين الجدد آنذاك وحاولوا قلب الحكم فيها سنة 1923م .

وانتهت المحاولة بسجن هتلر وجمعٍ من النازيين ولكن الأمر لم ينته بذلك ففي عام 1933م عادوا فملكوا ألمانيا وأصبح هتلر الحاكم المطلق ومع هذا لم ينس "منشن" فبقيت مكان متعته ولهوه وسجونه وتعذيبه إلى أن أحرق نفسه سنة 1945م قبل وصول الحلفاء إليه في برلين ولسان حاله يقول: بيدي لا بيد عمرو.

لقد جرّ هذا العشق الهتلري النازي على مدينة الفن والثقافة ويلاتَ حربٍ لم تكن في حُسبانها منذ تأسيسها وأذاقها أنواع الهوان والعذاب فدُمّرت عن بكرة أبيها كما دُمّر غيرها من المدن الألمانية وترك أهلها شذَر مذَر لا يدرون أين يذهبون، وليست الحروب القديمة بالسيوف والقنا هي المدمرة بل حروب العصر هي التي تدمر كل شيء بأمر المجرمين وحلفائهم ففي خلال ست سنوات تم شنّ 71 غارة من قبل أميركا وحلفائها على "منشن" حتى ساووا بيوتها بتَوْرابها، ولا أظنّ أبيات زهير بن أبي سُلمى تصلح لزمانه فإنّ القتلى في عصره قليل والتدمير إن وقع فهو لا يذكر ولكنها أصلح ما يكون في هذا الزمان إذ يقول:

وما الحربُ إلا ما علمتمْ وذقتمُ

وما هوَ عنها بالحديثِ المُرجّمِ

متى تبعثوها تبعثوها ذميمةً

فتضرَ إذا ضريتموها فتُضرمِ

فتعرككم عرك الرحى بثفالها

فتلقَحْ كشافاً ثمّ تُنتج فتُتئمِ

نعم هي الحرب العالمية التي عركت العالم ودمّرت الدول والمدن من غير رحمة وكانت "منشن" من ضحاياها فألقيت عليها من القنابل ما الله أعلم بها، ولا تزال الحكومة الألمانية تكتشف القنابل في كل مكان على أراضيها منذ انتهاء الحرب وتتعامل مع كل قنبلةٍ كحالةٍ فريدةٍ حفاظاً على سلامة أرواح الناس.

القنبلة المكتشفة أميركية الصنع تزن 250 كيلو وجدت منذ أيام أثناء تحويل بيتٍ قديمٍ من مكانه لبناء مبنى جديد فالألمان ينقلون البيوت القديمة ولا يهدمونها حفاظاً على التاريخ العمراني لبلادهم فقامت السلطات المحلية باستدعاء خبراء التفجير وتم إخلاء المنطقة التي يعيش فيها قرابة 2500 نسمة وأغلقوا جميع الشوارع المؤدية إلى المكان حتى تسبب في ازدحامٍ شديد فبلغت الزحمة ذروتها ونالني منها ما نالني فقطعت أقل من 10كلم في ساعتين!

ولم أر الألمان قط في مثل هذه الصورة أصواتهم مرتفعة وزمارات السيارات من هنا وهناك كأنها الساعة 11 في القاهرة ومعظم العمّال تركوا أعمالهم وتجمعوا مجموعات ينظرون إلى ما يحصل فتذكرت منظر الهنود عندنا وقلت في نفسي لعلها عادة العمّال في كل مكان لأخذ راحةٍ من أعمالهم.

نجحت الحكومة البافارية في تفجير هذه القنبلة في مكانها وسُمع دوي انفجارها من كل مكان وقد سمعتها بنفسي وحضنت الصوت أذني لفترة من قوته وقد ذكروا أنّ الانفجار أثّر على زجاج النوافذ في المنطقة فانكسر ما انكسر منها ويُخشى أن تكون بعض الجدران قد تأثرت بالتفجير ولهذا شرعوا بدراستها، ولكنّ الأهم من هذا كله هو ما قامت به القنبلة الأميركية من تذكير أهالي "منشن" بخرابها على أيديهم وإرجاع أحزان من عاصر تلك الحقبة الأليمة.

قلتُ وأنا في حالة الترقّب والانتظار إذا كانت قنبلة واحدة من الحرب العالمية الثانية فعلت كلّ هذا في مدينة بأكملها فما هو حال أهلنا في الشام والقنابل تسقط فوق رؤوسهم ليل نهار؟! اللهم احفظنا واحفظ حكامنا وبلادنا وسائر بلاد المسلمين وعجّل بالفرج القريب لأهل الشام آمين.