لا تجد عربياً أصيلاً إلا وهو يحبّ الخيل، وإن اختلفت الأهواء، لأنّ منهم من يحبّ ركوبها ويجد راحته فيها، ومنهم من يقتنيها لجمالها وبركتها ويباهي بها الخلق، ومنهم من أولع بالسباق بها في الميادين المحلية والإقليمية، وقد تكون مصدر الخير له وفألاً حسناً يتبعه في مسيرة حياته، ومنهم من تعجبه مشاهدته لها فيجد في صورتها راحة نفسية وشعوراً بالعزة والأنفة والكرامة والرحمة في آنٍ واحد، فكل من يقف أمامها ينْجَبذُ إليها شنشةً وطبيعةً فكيف إذا كان عربياً ووقف أمام الخيل العِراب - التي في صفاته وصفاتها من التشابه ما فيها - فسيكون الأمر عجيباً وسوف تتحرك (جينات) آلاف السنين عند تلك اللحظة، وهذا حقاً ما أشعر به عندما أراها وإن لم أكن فارساً أو مالك أخيالٍ، ولكنه الشعور الذي ينتابني كلما تقع عينيّ في عينيها.
ورث سيّدي الشيخ محمد بن راشد حبّ الخيل كابراً عن كابرٍ من أجداده لأبيه آل مكتوم وأجداده لأمه من آل نهيان، ومن تتبع سيرة الأسرتين الكريمتين سيجد لديهما شغفاً عجيباً وولعاً منقطع النظير باقتناء أفضل الخيول، ويربّون أنجالهم عليها منذ قديم الزمن، ولا تعجبوا إذا وجدتم من يمدحهم يذكر ذلك ويخصهم به كمثل قول الشاعر العماني الكبير أبي مسلم ناصر بن عديّم الرواحي (1857-1911م) في مدحهم ومدح قبيلتهم:
قومٌ على صهَواتِ الخيلِ طفلهمُ
يربوا له من دمِ الأبطالِ ألبانُ
فالشاعر مدحهم على ما عُرفوا في ذلك الزمن، وهو لم يكن بينهم ليطلب رفدهم وصلاتهم وإنما ذكرهم ضمن قصيدة طويلة ذكر فيها كثيراً من القبائل، ولكنه خصّ قبيلة "بني ياس" بأبيات جليلة وأوصاف بليغة وكان من أمدحها ذكره حبهم للخيل.
ولدتُ على حُبّ الخيل
ولهذا الأمر جاء جواب الشيخ محمد بن راشد عفوياً عندما سُئل عن الفروسية من قبل مجلّة "الرجل" اللندنية في سنة 2000 فقال: "حبُّ الخيل في دمي ولا تنس أنّ الخيل العربية وُجدت مع القبائل العربية وكانت أداةً مهمةً في الصيد وفي الحرب، وهي تمثل تاريخ العرب؛ الفروسية ليست مجرد ركوبٍ للخيل بل هي أصالةٌ وسلوكٌ، لقد ولدت على حبِّ الخيل، والوالد (الشيخ راشد) عرّفني منذ صغري على الخيل وعلّمني ركوبها وشاركت وما زلت أشارك في سباقات القدرة والسرعة سواء كانت محلياً أو إقليمياً".
الفروسية لدى الشيخ محمد ليست سباقاً وينتهي بفوزه، ولا منافسة ينال ميداليتها الذهبية بل الفروسية أكبر من هذا فهي لديه تطبيق عملي لما توارثه عبر القرون من الأصالة والشهامة والنبل الذي وجد فيه بالفطرة، وهي أيضا سلوكٌ وأخلاقٌ عاليةٌ نشأ عليها وعرفها في نفسه وعرفها من يعرفه وأنا أشهد عليها، إنّ الفروسية لدى الشيخ باختصار هي الرقي النفسي الذي يحثّه على التأمّل ويهديه إلى الفكر الصحيح والجدّ في أموره كلّها، وتحمّل أعباء المسؤولية، فهو يعشق الصعب كأن الصعب ملك يمينه ويحبّ تحقيق الأحلام المستحيلة، لأنه قائد موّفق تميّز بالريادة منذ صغره ولهذا ذكر بعضاً من صفاته في شعره فقال عن حبه للصعب:
من حبّي الصعب أطرب كلّما يصْعَبْ
متعوّدٍ بالشّدايِد هايِم هيَامي
أتْعبت الأرض التّعِيبه وما رضِيت أتْعب
واتْعبت طير السّما واتْعبتْ لُوَّامي
من هذا الشعر نعرف معرفة اليقين بأنّ مفهوم الصعب لديه يختلف عن مفهوم الناس له، ولا أظنُّ شاعراً سبقه إلى هذا المعنى لأنّ الشعراء يذكرون استسهال الصعب وشاعرنا يحبّ الصعب ويزداد طرباً كلما زاد صعوبةً؛ فالعلاقة هنا ليست طبيعية بل هي خاصة جداً، ولم أعرف أحداً قبله قال ذلك مما أعدّه حالة فريدة من نوعها ولهذا هو قائد استثنائي، وتأكدوا أعزائي من أنّ الشيخ محمد، وبالتجربة بعد مرور كل هذه السنين - وأنا أسجّل تاريخه عن قرب - لا يبالغ في كل ما يقوله في شعره حفظه الله تعالى ورعاه وسدد خطاه. وللمقالة بقية.