أبارك لسيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حفظه الله بالإنجاز الكبير، الذي حققه عن جدارة، وذلك بفوزه بذهبية مونديال القدرة 2012م في بريطانيا، وأبارك أيضا لولي عهده الأمين سمو الشيخ حمدان بن محمد آل مكتوم حفظه الله، وأخيه سمو الشيخ ماجد بن محمد آل مكتوم ولجميع فرسان الإمارات على فوزهم بذهبية الفرق، والذين رفعوا راية بلادنا عاليا بهذا الفوز المستحق في هذه الرياضة الشاقة "سباق القدرة"، والتي نعرفها منذ آلاف السنين وإن تغيرت أشكالها عبر الزمن.

ليست الفروسية عند العرب إلا تُراثا خالداً توارثوه عن أجدادهم منذ فترة طويلة جداً، لم يستطع أحدٌ من المؤرخين أن يحدّد تاريخ بدايتها، وإن جاءت بعض الأخبار بأنّ جدّ العرب نبيَّ الله إسماعيل هو أول من ركب الخيل العربية، بعد أن كانت وحشاً أوابدَ ولم تكن تقترب من البشر فأخذها وأنست به ولهذا تسمّى بـالخيل"العِراب" واسمها في جميع لغات العالم اليوم "الخيول العربية"، وصفاتها خالدة لا تتغير لأنها أخذت من أرض الجزيرة قوّتها وتحمّلها، وأخذت من العرب أصالتهم وعزّتهم حتى طُبعت أخلاقهم في أخلاقها وسماتهم في سماتها سبحان الله، ولهذا جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الخيل معقودٌ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة"، وهناك أقوال أخرى الله أعلم بصحتها رواها الكلبيُّ النسابة وغيره، وزعموا أنّ الخيل كانت في بلاد اليمن ثم بعد خراب مملكة سبأ دخل بعضها في الجزيرة العربية، وإن كان ما قاله الكلبيُّ صحيحا فلم يذهب رأيه بعيداً بل هو قريب النجْعة، لأنّ اليمن والجزيرة العربية كالجسم الواحد.

سباق الأخيال

جاء في فضل الخيول أحاديث صحيحة وروى الرواة اعتناء الرسول صلى الله عليه وسلم بها وليس بمستغربٍ على الرسول الكريم حفيد النبي الكريم إسماعيل أن يكون كذلك، وكان العرب قبل الإسلام ومنذ القدم يعتنون بها غاية الاعتناء ويتسابقون على ظهورها، ويجعلون للفائزين جوائز ويسمّون الفائز الأول "المجّلي"، وهكذا حتى المتسابق الأخير فيسمّونه "السُّكيت"، وبلغ من حبّهم لها أنهم كانوا يعدّونها علقاً نفيساً كم قال أحدهم عندما سُئل أن يبيع فرسه "سكابِ"لأحد الملوك فقال له في قصيدة مشهورة:

أبيتَ اللعنَ إنّ سكابِ علقٌ

                     نفيسٌ لا يباعُ ولا يُعارُ

 

أما عن جواز السباق بالخيل فقد أقرّه الإسلام وحضّ عليه، وروى الشيخان (البخاري ومسلم) عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنّ النبي صلى الله عليه وسلم: سابق بين الخيل التي ضُمّرت وكان أمدُها (مسافتها) من "الحفياء" إلى "ثنيّة الوداع" (تقريبا 11 كلم)، وسابق بين الخيل التي لم تضمّر من "الثنيّة" إلى مسجد بني زريق (تقريبا أقل من 2 كلم)، وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنه فيمن أجرى (سابق). وروى الذهبيُّ رحمه الله بإسناده إلى أبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تحضر الملائكة من اللهو شيئاً إلا ثلاثة: لهو الرجل مع امرأته، وإجراء الخيل (سباقها)، والنضال (بالسهم)".

الاختيار المناسب

توارث العرب أيضا عن أجدادهم مهارة اختيار الخيل، فهم يعرفونها كما يعرفون أسماءهم، وقد سألت سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حفظه الله مرّة عن كيفية اختياره لخيله، لأنه لا يختار إلا الأفضل منها فإذا دخلت مضمار السباقات العالمية لم يشق لها نقعٌ، فقال: "هذا علم أخذته عن والدي الشيخ راشد رحمه الله، وقد زدت فيه دراسة وخبرة مع مرور الأيام. قلتُ: التجارب ومعرفة الخيل التي انتقلت عبر القرون وتوارثها العرب منذ الأزمنة القديمة هي نفسها، التي وصلت إلى المغفور له الشيخ راشد وعلمها نجله الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حفظه الله..وللمقالة بقية.