لعلّ المخترع للشيء أدرى بمخترعه من المستخدم الساذج لهذا الاختراع وإن كان حق التقليد مشاعاً فإنّ المقلِّد لن يصل إلى درجة المقلَّد أو يفوقه إلا في حالاتٍ خاصةٍ بل الغالب المشاهد أنّ بادع الشيء يظل متفوقاً ما بقيت لديه عجلة التقدّم والبحث مستمرة لأنه سيظل سابقاً لغيره.

ولهذا ترى الدول التي قلّدت الغرب في صناعاتها ومخترعاتها -وكانت متخلفة عنها قبل ذلك- بعد خلعها عباءة التقليد تحاول بكل قوة وعزيمة أن تبتدع بنفسها ما تراه مناسبا لكي تقف في صفٍّ واحدٍ مع دول التقدّم والحضارة لأنّ العزيز وإن وقع عليه الذلُّ لزمنٍ فلن يرضى باستمراره وهذا ما حصل لليابان مثلاً.

الصور المتحركة "كارتون"

من المُخترعات الجميلة والمسلّية التي ابتكرها الغرب أو لنقل طوّرها ما يُسمّى بـ"الرسوم المتحركة" وأنا أسمّيها "كارتون" على اسمها الأول وهو مأخوذ من اللغة الإيطالية وتعني الورق المقوّى، وما أسميتها بذلك وتركتها على أصلها إلا لأنّ العرب الفصحاء عرّبوا كثيراً من الكلمات الأعجمية باستبدال بعض حروفها أو أدرجوها في لغتهم كما هي.

وقلتُ: لماذا نستخدم كلمتين ويمكننا أن نجعلها كلمة واحدة معرّبة؟ وبما إنّ مادة (ك ر ت) وردت في العربية بقولهم عامٌ كريت أي كامل فلا مانع من استعمالها وقد قالوا كانون وهو من الأشهر الرُّومية وكان يُعرف عند العرب بشهريْ قُِماح، لأنّ في هذا الشهر تقمح الإبل أي لا تشرب الماء من شدة البرد.

للصور المتحركة (كارتون) تاريخ قديم يعود إلى عصر العيش في الكهوف حيث كانوا يرسمون على جدرانها ما يشاهدونه من الحيوانات وعملية الصيد وغيرها ثم تطورت في عهد الفراعنة فأصبحت أقرب إلى الواقع بسبب مهارتهم في الرسم ولا أستبعد وجود مدارس فرعونية تدرّس هذا الفن القديم لأنّه لا يعقل أن تجتمع الدقة والكثرة إلا بوجود معلّمين ومدارس تخرّج الرسامين في عهد الفراعنة.

وبعد ظهور المسيح عليه السلام اهتم القساوسة بالرسم في كنائسهم وأماكنهم التي يقدسونها وهي تحمل قصص التوراة والإنجيل وكانوا يرسمونها أولا في أوراق صغيرة وقد تكون بأحجام كبيرة لتطابق حجم الحائط الذي سيرسم عليه، وهذه المرحلة في القرن الرابع عشر والخامس عشر الميلادي تعدُّ بداية رسم القصص على الورق ولكنها من غير حركة وقد أخذت اسم "كارتون" تقريبا في هذه الفترة أو بعدها بقليل.

وفي سنة 1640م قام الألماني أثانيوس كيشر بأول تحريكٍ للصور عبر فانوسه السحري وهو عمل بدائي جدا لكنه في مقياس ذلك الزمن كان عجيباً، وباختراعه هذا فتح الباب أمام الحالمين بتحريك الصور، فبدأت هذه الصناعة بالتقدم ولكن ببطء شديد حتى القرن العشرين حيث قاد الأخوان والت وروي ديزني ثورة الصور المتحركة سنة 1923م من ولاية ميسوري فأنتجا "أليس في بلاد العجائب" ثم انتقلا إلى استديوهات هيولود وتمت هناك الانطلاقة الكبرى إلى هذا اليوم الذي نشاهد فيه العجائب من دقة الرسم وإتقان التحريك والعروض المدهشه.

الكساد العظيم

في أكتوبر من عام 1929م تعرّضت أميركا لأسوأ كارثة في بورصة الأسهم فجعلت الأسواق تنهار تباعا ثم انتقلت إلى باقي دول العالم واستمرت آثارها حتى بداية الأربعينيات وقد وصلت إلى الخليج العربي فأنهكت أهله ولكنّ لطف الله ورحمته يسّرت تعاون أهالي الخليج مع حكامهم وتجّارهم وتجاوزوا المصيبة والحمدلله، أما في أميركا .

فالأمر يختلف تماما فهي بلاد متقدمة جدا ولن يكون سهلا على شعبها ولهذا أصيب كثير منهم بفقر الدم والضعف بسبب شدة الفقر والكواراث المالية التي دهمتهم فجأة مما أجبر الحكومة الأميركية لعمل كثير من التدابير فعدد الجوعى والمشردين في كبرى مدنها يتزايد آنذاك، وأرادت أن توجه النصيحة للناس بشتى الطُرُق فكانت الصور المتحركة إحدى وسائلها تلك. وللمقالة بقية.