الأمثال السائرة لها شأنٌ عظيمٌ في تاريخ الشعوب ولغاتها ويستخدمها خُطباؤهم وكتّابهم وشعراؤهم وعامتهم وخاصتهم على حدٍّ سواء، مع اختلاف الرُّتب وانتقاء مستوى المثل المستشهد به، لأنّ لكل طبقةٍ منهم أمثالاً تناسبهم، فلن يستشهد من كان في صحبة الملوك بأمثال السوقة وأرباب الحِرَف، وكذلك حال الساسة وأهل الاقتصاد فلديهم ما يميّزهم عن أمثال الحدّادين وصيادي الأسماك وغيرهم، فكلٌّ منهم يغرف من محيطه الذي يعيش فيه وقد يجتمع الجميع في أمثالٍ تصلح لخاصتهم وعامتهم وهذا يتجلّى في عظمة بلاغة الأمثال القرآنية وإعجازها التي تحيّر أهل الفكر والعلم قال تعالى: "وتلك الأمثال نضربها للناس لعلّهم يتفكرون".

 

وأذكر حِجّةً حججتها منذ سنين مضت فاجتمع معنا في مشاعر "مِنى" أهل البحر والبدو ومعاشر من كبار التجّار وموظفي الدولة، وكنت أتعجّب من اختلاف نظرة كل فريقٍ للحياة فلكلٍّ منهم أسلوبه وطريقته وأمثاله ويندر أن تتشابه الاهتمامات أو الأساليب فسبحان الخالق العظيم، ولو استطعت وتذكرت ما دار في تلك الأيام لأخبرتكم ولنالكم من العجب ما نالني، وخاصة من ذلك الحاجّ الذي كان يُكثر من الأمثال والأوصاف البحرية حتى قلت له: ألا تحسن غير هذا!!

 

من الأمثال العربية السائرة في الجاهلية والإسلام حتى يومنا الحاضر ويتفق على استخدامها كلُّ فئات المجتمع هو قولهم عندما يرون أحداً قضى على نفسه أو جرّ على أهله وعمله المصائب، قولهم: "على نفسها جنت براقش" وقد سُئلت عنه مرارا في تويتر، فما هو أصل المثل؟ وما معناه؟ وهل له قصة؟ هذا ما سأرويه لكم باختصار.

 

"براقِش" بكسر القاف مفردة مشتقة من البرقشة وهو اختلاف الألوان، وقد أطلق العرب على طائرٍ صغيرٍ ذي ألوان اسم أبي "براقش" ويسمى اليوم "شرشور" ومنه قول الشاعر :

 

إنْ يبخلوا أو يجبنوا

                  أو يغدروا لا يحفلوا

يغدوا عليك مرجّلينَ

                      كأنّهم لم يفعلوا

كأبي براقشَ كلُّ

                    لونٍ لونهُ يُتخيّلُ

 

و"براقش" أيضاً اسم كلبة تسبّبت بمهلك أهلها كما سأذكره لكم، وكذلك هناك منطقة تبعد أكثر من ـ مئة كلم ـ عن صنعاء وفي منطقة الجوف تحديدا تسمى "براقش" قيل: إن قصة المثل المذكور آنفا حدثت في هذه المنطقة فسميت بها لأنّ اسمها القديم هو"ثيل"، وقيل: "براقش" اسم بنت لأحد الملوك أو هو اسم زوجة لقمان بن عاد.

 

فإن كانت "براقش" امرأةً فقد تكون سمّيت بذلك لأنها تحبُّ لبس الثياب الملونة وهذا مشاهد من ثياب بعض النساء قديما وحديثا، وأنا لا تعجبني إلا الثياب ذات اللون الواحد الهادئ، وكلٌّ له ذوقه واختياراته في الألوان وإلا لبارت السلع كما يُقال. وإن كانت "براقش" اسم كلبةٍ كما هو في إحدى روايات المثل فأظنّ بأنّها كانت ذات ألوان، مما دعا أهلها أن يسمونها بهذا الاسم والعرب في تلك الأزمان من عادتهم لا يقتنون الكلاب زينةً وإنما كانت للصيد أو للحراسة أو للرعي، ولهذا قد تكون "براقش" من كلاب الصيد المزركشة كما تظهر في رسومات الفراعنة القديمة. وللمقالة بقية.