التاريخ الإسلامي عريقٌ وفيه عِبرٌ وعظاتٌ كثيرة ونافعة للناس من حكّامٍ ومحكومين ومن خاصّةٍ وعامّةٍ، وفيه أيضا ما يرشدهم إلى طُرُق النجاح والتوفيق إذا اشتغلوا بتعلّمه وتعليمه وقاموا بالاهتمام به، لأنّه لا فائدة من تاريخٍ لم يُكتب ولا ينفع التاريخ إذا كُتب ولم يُتخذ منارا يهتدى به، فهو ينقل لنا أخبار الماضين وحوادث الدهر والسعيد من اتعظ بغيره كما يُقال، ومن هذه التواريخ المفيدة تاريخ الخليفة "الظاهر بأمر الله" بن الناصر لأمر الله العباسي الذي تولى الحكم بعد 46 سنة من حكم أبيه، المكثر من الظلم والإساءة إلى شعبه حتى تفرقوا في البلاد وتضرعوا إلى الله أن يزيح عنهم الغمّة فأزاحها بخليفةٍ عادل بلغ الغاية سماحاً وكرماً وطيبةً وعطفا على الناس، حتى خلّد التاريخ اسمه في سجلّ الخالدين العادلين.
كان من أمر الخليفة "الظاهر بأمر الله" أنه ولي الخلافة وعمره 52 سنة، مما يعني أنه عاش أغلب حياته وهو ولي عهد أبيه، ولكن من غير تصرّف، إذ عند بلوغه الخامسة عشرة من عُمُره سنة 585هـ عهد إليه بالولاية والده، ثم رأى أن يعزله وأرسل في بلاد الإسلام يأمرهم بالتوقف عن الدعاء له، وإذا عرفنا أعمال "الظاهربأمر الله" التي قام بها إبان حكمه القصير فيمكن أن نخمّن أسباب عزله فقد كان سخي اليد كريم النفس يجتهد في تخفيف أعباء الناس وهمومهم وهذا كان ضد رغبات والده الذي أكثر الظلم وأذاق الناس الويلات، وأكاد أجزم أنه لما رأى "الناصرُ" وليَّ عهده سخيا كريما ورحيما بشعبه أبعده وقرب أبنه الأصغر "علياً"، ولكن الله لم يمهله فتوفي "علي" بعد ذلك مما اضطره أن يعيد الولاية لابنه المعزول "محمد"، والذي سمّي بعد تولي الخلافة بـ"الظاهر بأمر الله" وشرط عليه أن لا يتصرف بأي شيء خِشيةً من إحسانه وكرمه.
أراد الله للبلاد الخاضعة لسلطة "الناصر لأمر الله" في ذلك الزمن الصعب أن ترى الخير، بعد سنواتٍ عجافٍ من القهر والظلم فتولى "الظاهر بأمر الله" سنة 622هـ، وقام بردّ المظالم ونشر العدل مباشرةً من غير تريث عاملا بحكمة: خير البر عاجله، وبدأ بإرجاع الأمور إلى نصابها حتى موازين مخزن الدولة التي كانت تكال بها!، يقول ابن الأثير في كامله: كان المخزن له صنجة الذهب (مما يوزن به) تزيد على صنجة البلد نصف قيراط، يقبضون بها المال، ويعطون الصنجة التي للبلد، ليتعامل بها الناس، فسمع بذلك (الظاهر بأمر الله) فخرج خطه (رسالته) إلى الوزير، وأوله: "ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون، ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم"، قد بلغنا أن الأمر كذا وكذا، فتعاد صنجة المخزن إلى الصنجة التي يتعامل بها المسلمون واليهود والنصارى". وإذا كان هذا الخليفة العادل يفكر في أمر وزن مخزن الدولة وأمر بالعدل فيه فما ظنكم في الأمور الكبرى!
وقد روى الذهبي في سِيَره: قال سبط الجوزي: "حُكي عن (الظاهر بأمر الله) أنه دخل إلى الخزائن، فقال له خادم: في أيامك تمتلئ، قال: ما عُملت الخزائن لتملأ، بل لتفرغ وتنفق في سبيل الله، إنّ الجمع شغل التجّار".
وقد صدق "الظاهر بأمر الله" فإنه لم تُعمل الخزائن لتملأ ولكن لتنفق في سبيل الله وتعين الناس على نوائب الزمن، قال ابن الأثير: "قدم صاحب الديوان من واسط (في العراق) بأكثر من مائة ألف ظلما فردها على أهلها، ونفذ إلى الحاكم عشرة آلاف دينار ليوّفيها عن المحبوسين، وكان يقول : أنا قد فتحت الدكان بعد العصر فاتركوني أفعل الخير، فكم بقي لأعيش. وقد أنفق وتصدّق في ليلة النحر بمئة ألف دينار، وكان نعم الخليفة خشوعا وخضوعا لربه، وعدلا في رعيته، وازديادا في وقته من الخير، ورغبة في الإحسان.
هذا وبعد مرور تسعة أشهر ونصف الشهر من حكمه انتقل إلى جوار ربه في سنة 623هـ، بعد أن عمّ الرخاء والأمان وارتاح الناس!! وفي هذا دليل على أنّ البركة ليست في طيلة الأعمار، ولكن في توفيق الأعمال. اللهم وفّق ولاة أمورنا لما تحب وترضى واحفظهم وأحسن إليهم فقد أحسنوا فينا وعدلوا وأكرموا آمين.