وجدت المتابعين لموضوع "الولاء" على أهميته وخطورته والمهتمين به والباحثين عنه أقلَّ بكثيرٍ من المتابعين للبرامج التافهة، التي لا معنى لها ولا تؤدي إلى خير ولا رفعة، فهي لا تتجاوز تسلية دقائق وابتسامة ثوانٍ حتى تذهب ولا يستفيد منها أحدٌ.
بل قد تضرُّ عقول بعض الشباب الخالية من العلم فتملأها من الأفكار المسمومة، وتجبرها على تقبل الأخلاق السيئة، وهذه العقول لقلة خبرتها وفهمها في الحياة لا تعلم أنها تتجرّع السمَّ الزُعاف وتنسلخ عن دينها وعاداتها وأخلاقها وتتحول إلى شخصياتٍ أخرى لا أعرف ما هي ولمن سيكون ولاؤها ؟
وكم رأيتُ بنفسي هذه العقول، وهي تتحول وتتغير ولا أملك من الأمر شيئاً، لأنّ الأمر جلل يحتاج إلى تظافر الجهود وإلا نزل المحذور ولن ينفع التمني يومئذ وكما قال ابن ظاهر حكيم الإمارات:
لي ما بنى بيت التقى قبل الشقا
والّا على الشطّات ما واحا لها
أي من لم يبنِ لنفسه بيت التقوى، ويخاف الله فيسلم في الآخرة فلن يتمكن من النجاة عند مفاجئة الموت، وكذلك الحال في أمور الحياة الدنيا فمن لم يبن لنفسه ما يتقيه من الشدائد والأخطار فلن يجديه نفعا أن يبنيه بعد فوات الأوان! وليس للدول من حصنٍ أمنع من حصن شبابها وبحكمة كُبرائها، فإن ضيّعت الدول الشباب وأبعدتهم عن مجالات تفكيرها وتركتهم نهب الأفكار الهدامة والحركات المشبوهة والبرامج المسمومة فإنّ مصيرها سيكون مرعبا ومدمرا وكما قلتُ:
ومنْ لم يُحصّن بالشبابِ بلادهُ
فليس بناجٍ إنْ أحاط به الردى
الفهم الصحيح للولاء
الموالي بفطرته يدرك بوعيه الصحيح أنّ«الولاء» هو موالته لقيادته ولوطنه بروحه وفكره وعمله الذي يستطيع أن يؤديه، فيجعل الولاء منه شخصاً مخلصاً، ومشاركاً في رفعةِ دولته وإنجازاتها، ومدافعا عن شرعيتها بعلمه وأخلاقه وروحه وأصلا ثابتا لبقائها واستمرارها وازدهارها.
وبهذا الفكر يمكن للدول أن تبقى وتستمر وترقى، وهو نفس تفكير أصحاب الشركات الكبرى، لأنّ شركةً بلا ولاء موظفيها وعملائها لا تبقى وتنتهي، ولهذا يقول بيل غيتس مؤسس مايكروسوفت: "تحتاج المنظمات الكبيرة لتمتع من يعملون بها إلى الولاء" وكذلك يقول المنتج الناجح صامويل جولدوين (1882-1974): " أقبل بنسبة 50 % من الفعالية مقابل الحصول على 100 %من الولاء ". وإذا فهمنا الولاء الصحيح الذي هو إخلاص ووفاء وبناء وإنجاز فما هو الفهم الخاطيء له؟ وما هي مخاطره؟
خطر الفهم الخاطئ
هناك أخطار كثيرة تهدّد حياة "الولاء" ولكنّ من أخطرها الفهم الخاطيء له، مما يؤدي إلى مظاهر خاطئة وخطيرة تعصف به وتحرّك ردّات فعل عنيفة من جميع الأطراف فينتج منه التنافر والتباغض وتتكون منها الفرق والعداوات التي تزيد مع الأيام، ويمكن تعريف الفهم الخاطيء بأنه عكس الفهم الصحيح الذي ذكرته، وله مظاهر قبيحة لا يمكن قبولها من الأمم الهمجية فكيف نقبلها على أمة مسلمة بلغت من الحضارة أوجها، ومن هذه المظاهر:
-التخوين بغير أدلة
-البذاءات والشتمائم
-سرعة المنابذة والعداوة
-الكلام نيابة عن أهل الاختصاص
-العنف بلا مبرر
-المبالغة في غير محلها
كل هذا ينافي حقيقة "الولاء"، وقد يؤدي إلى كوارث أمنية ومصائب مجتمعية بسبب هذه المظاهر القبيحة التي أنتجها الفهم الخاطىء. والخلاصة أيها الأعزاء : الولاء أمرٌ عظيم وراقٍ في قلوبنا فلا نشوّه صورته، ولنحرص عليه ولنتمسك بمكتسابتنا حول قيادتنا الكريمة الرشيدة، ولا داعي لمظاهر ليست من عاداتنا ولا قيمنا ولا ديننا.