ذكرت في المقال السابق أنّ الأجيال الماضية شربت مفهوم "الولاء"، وفسلفتها بفطرتهم السليمة وحافظوا عليها بل سقوا أرضها من دمائهم وبذلوا لأجلها من أموالهم، في وقتٍ كان أصعب من الصعب نفسه، والأزمات تتوالى والأحداث العالمية تتسارع، فكلُّ من عاش منهم وأدرك الاتحاد وغنم من مغانمه الأمن والأمان والنعم الظاهرة والباطنة.

وتبدلت أحوالهم في التعليم والصحة والقضاء وكل جوانب الحياة، زادت لديهم مشاعر الولاء وصاروا أكثر تعلقا، بل تشددا للدفاع عنها بقوة حب الاتحاد وقيادته الرشيدة، لأنّهم يعرفون قدر المغانم والخيرات الكثيرة التي توافرت بشكلٍ خياليٍّ لم يخطر على قلوبهم النقية والمخلصة، وكان حصول هذا هو الهدف المطلوب تحقيقه أو يتوقّع حدوثه صاحب "الولاء"، كما بيّنتُ ذلك في مقالٍ سابقٍ بعنوان "لماذا نحتاج إلى الولاء"، ويذكرني حالهم وحبهم هذا بقول تلك المرأة وهي تغني لولدها:

أحبّه حبّ الشحيح مالهُ

قد كان ذاق الفقر ثم نالهُ

إذا أراد بذله بدا لهُ

وقد يسأل سائل: إذا كان "الولاء"عند تلك الأجيال بالفطرة ولم يكتسبوها، بل كانت بمنزلة الحياة أوالموت لشعورهم بالأخطار المحدقة ولخوفهم من ضياع مصالح البلاد العامة وتشتت شملهم، فكيف يمكن اكتساب "الولاء" وغرسه في قلوب الأجيال الموجودة والقادمة؟ لأنها نمت في العزّ وبحبوحة النِّعَم والترف ولم تعان مما عانى منه الآباء والأجداد حتى جلب لهم حسد الحُسّاد من كل مكان.

وكيف يمكن أيضا صيانتها وزيادة نسبتها؟ والإعلام العالمي يصبُّ مصائبه ليل نهار على هذه العقول الصغيرة التي لا تستطيع التمييز بين الحق والباطل، ولا يمكنها تفنيد الخير من الشرِّ فهم سجناء القنوات التلفزيونية، وقد أضيف عليها منذ سنوات قليلة وسائل الاتصال المجتمعي من "فيسبوك وتويتر" وغيرها حتى كأنّ العالم كله صار في جهاز جوّالٍ ونظنّ في أنفسنا بأنّنا نملكه ولكنّ الحقيقة المرّة بأنه هو من يملكنا بل ندفع على هذه العبودية الاختيارية كل يوم!

قلتُ: أيها السائلُ اللبيبُ: لم يكن "الولاء" يوماً ليُكتسب اكتساباً، إذا لم تكن بذرة "الولاء" مغروسة أولا في أعماق هذا الذي نريد كسب ولائه، لأنه:

-من وُلد في بيتٍ لا يعرف معنى هذه المفردة ولم ترد يوماً في معجم ألفاظ أهله اليومية أو حتى في المناسبات، فلن يُنبت الغرس وكأنّنا نزرع في أرضٍ سبخةٍ لا تمسك ماءً ولا تنبت زرعاً.

فإن غرست البذرة في القلوب فإننا نحتاج إلى:

- تظافر جهود الدولة بوزاراتها ودوائرها ومدارسها وجامعاتها ورجالاتها من علماء ومثقفين وإعلاميين في خلق أجواء "الولاء"، وغرسها من المهد إلى اللحد وتعهد سقياتها وإلا فسوف تذهب كل المبادرات والجهود أدراج الرياح بل سوف تتفرق شذرَ مذرَ وتنتج أجيالا عاقّة لا تعرف إلا مصلحة نفسها غير مباليةٍ بمستقبلها جاهلة بواجباتها وما لها وما عليها.

وإذا تظافرت الجهود فلن تعيش شجرة "الولاء" وتثمر إذا:

-استمر خلل التركيبة السكانية، ولم توضع الحلول الناجحة التي تكفل علاج هذا المرض، الذي قد يصبح مزمناً عضالاً عن قريب ولن ينجح الساعون لغرس "الولاء"، وقد يواجهون خطر موت الأجيال الموالية وخروج أجيالٍ بعيدةٍ كلّ البعد عن حقيقتها وأصالتها.

وإذا تم معالجة التركيبة السكانية بنجاح باهر وهذا ما يحلم به كل مواطن في هذه الدولة:

- فإن هناك أخطارا تواجه "الولاء" بشدة من أهمها ضياع الهُوية الوطنية في السكن والتعليم والعمل، فأنا أدرس منذ فترة طويلة التغير الجغرافي لسكن المواطنين وتباعدهم وتأجير أحيائهم للقادمين، وإدخال أبنائهم في المدارس الأجنبية، ثم عملهم بعد ذلك مع الأجانب، كلّ هذا يؤدي إلى ضياع الهُوية وتمزّق اللحمة وبهما يضيع مفهوم"الولاء".

هذا وللمقالة بقية.