سألني بعض من قرأ مقالاتي السابقة عن "فلسفة الولاء"، لماذا الكتابة عن هذا الموضوع، وهناك مواضيع مهمة أخرى أولى بالاهتمام والبحث والكتابة؟! والجواب الذي يمكن أن يقال: إنّ الأجيال التي تربت على الولاء بالفطرة، والتي تؤمن بحاجتها إليه وإنْ لم تعرف ماهيته وفلسفته، ولكنه غُرس في أرواحهم وقاموا بترجمته بأفعالهم، بدأت بالرحيل عنّا تباعاً مع شدة أسفي وحزني عليها وهذه سنّة الله، ولا تبديل لسنته وكما قال أبو ذؤيب الهذلي:
سبقوا هويَّ وأعنقوا لهواهمُ
فتُخرّموا ولكلٍّ جنبٍ مصرعُ
فغبرتُ بعدهمُ بعيشٍ ناصبٍ
وإخالُ إنّي لاحقٌ مُستتبعُ
نعم هذه الأجيال المخلصة التي ضحّت بأرواحها ومالها، وكل ما تملك من أجل هذه البلاد، وساهمت في رفعته من حيث تدري ولا تدري، وتشكّلت بها أهم دعائم الاتحاد عند قيامه، فاستقبلته بأكفها وأذرعها بل حفظته في قلوبها، لأنها تعلم حقّ العلم: بأنّ الاتحاد سوف يُخرج الناس من ظلمة الفرقة إلى نور الاتفاق والاجتماع، وسوف ينتشلهم من ضحضاح الفقر والعوز إلى أنهار الغنى والعز.
وسيرفعهم من غيطان الجهل والتخلّف إلى قمم العلم والحضارة، وهو ما حصل حقيقة لا ينكرها إلا أعمى في سنوات قليلة لا تُحسب ولا تعد في أعمار الأمم المتقدمة، وذلك كله بفضل الله ثم بفضل حكامنا المخلصين وولاء تلك الأجيال الوفية، التي عانت الأمرَّيْن من حياتها الماضية وعلمت أنّ الخير كلَّ الخير في اتحادها والتفافها حول قيادتها الرشيدة.
"للولاء" مع هذه الأجيال الكريمة قصةٌ لا تنتهي من العزِّ والعشق والتفاني، الذي لا يمكن أن أصفه أو أعبّر عنه بل أيها الأعزاء: اسألوا من تشاؤون من الباقين منهم وسوف تعلمون ما أعني، أما الأجيال المخضرمة التي أدركت ما قبل الاتحاد فهم يحملون نفس مشاعر "الولاء" ولكنهم لم يعيشوا الخوف ولا الفقر ولم يُعذّبوا في أعماق البحر لأشهر وكم منهم تُوفّي من الحوادث والأهوال وهم في زهرة شبابهم وريعانه رحمهم الله، وهذا الجيل الماضي ذاق من ويلات الحياة ما يكفيه وخبر مآسيها قبل الاتحاد، فكان من الطبيعي أن تزيد مشاعر "الولاء" لديه فيما بعد ظهور النعمة وتبدّل الأسى بالخيرات، فالولاء للاتحاد ولقيادته يمكن أن يصدق عليه قول حكيم الإمارات الماجدي بن ظاهر:
يداري على الصملان من عانس الخلا
ومن ذاق برد الما خلاف القوايل
وقد صدق حكيمنا الشاعر، لأنّ المرء لا يشعر بقيمة الصميل ـوهي قربة صغيرة لحفظ الماءـ حتى يدخل في خلاء الصحارى والمفاوز، ومثله لا يعرف أهمية الماء البارد بعد عطشه من القائلة في حمّارة القيظ، وكذلك أقول: "لن يعرف مغانم "الولاء" لاتحاد الإمارات وحكومته المخلصة الرشيدة، إلا من ذاق طعم الفرقة والفقر والشدة".. وللمقالة بقية.