قال لي وهو يحاورني - وهو المثقّفُ اللبيبُ- يا جمال: لم نكن في الماضي نتحدث عن "الولاء" ولم يخطر على قلبي ولا قلب آبائنا أن يتحدثوا عنها لأننا ولدنا وفطرنا عليها، ولا نحتاج أن نتذكرها لأنها غرس قديمٌ منذ قرون لم تنقص ولم تتزعزع أسسها، بل هي من المسلمات كشرب الماء والصلاة وطاعة أولياء أمورنا، فما الذي حصل؟ وماذا تغير علينا؟ ومن هو المسؤول عنها؟
لقد شعرتُ بهذا التغير بعد غزو الكويت في سنة تسعين، لأن حياتنا تغيرت بل قُلعت من جذورها وتبدلت مفاهيم كثيرة تدريجيا حتى وصلنا إلى هذا اليوم الذي أسمعك وأقرأ لك ولغيرك تتحدث عن "الولاء"، أوّاه مما أشعر به من حُرقةٍ بل من حَزازاتٍ في قلبي مما أسمع وأرى!!
قلتُ له: لكلّ سببٍ مُسبِّبٌ ولكلّ مُغيَّرٍ مُغيِّرٌ، ولقد رأيت بنفسي ما ذكرته، فقد تغيّر إعلامنا وقنواتنا وتبدلت مدارسنا بل اتجهت إلى التغريب القبيح ونبذ العربية والتشدق بالأجنبية.
وجلبوا لنا الأغراب من كل مكان يعلّمون بناتنا وأبنائنا العلوم الدنيوية بلغتهم، فجلبوا معهم مفاهيم الغرب السوداء، وبدأوا بزراعتها في قلوب أطفالنا الصغار، وقد استغنوا عن الأساتذة العرب الطيبين الكرام الذين تعلمنا على أيديهم حب الدين والعروبة وحب الوطن والولاء لقادتنا.
وكانوا نعم المربين، ولم تخرج وزارات التربية المتعاقبة أجيالا من المدرسين المواطنين حسب الخطة التي وضعها المؤسسون لدولة الإمارات المغفور لهما الشيخ زايد والشيخ راشد لأسباب عدة، مما نتج عنه فراغ تعليمي كبيرٌ وبُعدٌ خطير عن الثوابت الأصيلة التي توارثناها عبر مئات السنين.
وهناك أسباب أخرى غيرها من جملة مسببات التغيير، فكانت النتيجة أعزائي: أن تجدوا أمثالي يكتبون ويحاضرون عن الولاء والهُويّة الوطنية في دولة عريقة يعيش فيها شعبٌ من أوفى شعوب العالم وأرقاها طيبةً وكرماً وحسن خلق!!
قصة تاريخية
إذا كان ولاؤنا لوطننا ولقيادتنا الرشيدة من فطرتنا الأصيلة نحن شعب الإمارات، وهي قيمةٌ زرعها الأجداد في الحفدة فلا خوف من جيلنا المتفاني في عطائه وولائه، ولا خشية من قومٍ تربوا على حب قيادتهم ونهلوا من كأس "الولاء" ولم يعرفوا إلا طاعة أولياء أمورهم وهم حماةٌ يوم الروع وهم جنودٌ لم ينتظموا في سلك القوات المسلحة.
وسأذكر لكم قصة من القصص القديمة التي ذكرتها لكم في صفحتي "باب المعارف التاريخية" منذ أكثر من 10 سنوات هذه القصة التي أعيد روايتها لكم لتعلموا ماذا يعني الولاء بالفطرة وهي قصة حقيقية متواترة بالوثائق ومن رواية أجدادنا تدور أحداثها سنة 1845م :
عندما توفي حاكم أبوظبي في هذه السنة وحالت أسباب من تولي خليفته الحكم من بعده، تولى زعيمان من قبيلة بني ياس إدارة شؤون البلاد لمدة شهرين حتى قدم الشيخ سعيد بن طحنون آل نهيان من منطقة "ليوا"، وتمت مبايعته حاكما لإمارة أبوظبي، ثم عاد الزعيمان تحت لواء الشيخ سعيد كما كانا تحت لواء عمه رحمهم الله جميعا، وهي قصة طويلة لا داعي لذكر تفاصيلها هنا.
وسؤالي لكم أيها الأوفياء: أي ولاء هذا الذي يجعل زعيمين يقومان بالحفاظ على وحدة الوطن وحماية الشرعية غير "الولاء بالفطرة" السليمة النقية، التي لا تعرف خيانة وتغلّب المصلحة العامة على المصلحة الشخصية، التي بدأت تنتشر في مجتمعنا المعاصر بشكل تدريجي.
وقد يكون الوقت متأخرا نوعا ما على علاجها، ولكني أطمئنكم بأنّ الوقت لم يتأخر كثيرا فهناك مجال كبير في علاجه عن طريق "الولاء بالاكتساب". وللمقالة بقية.