من قرأ مقالي أمس عن "فلسفة الولاء" سيستفيد أنّ الولاء حاجةٌ ماسةٌ للشعوب، إذا أرادت الرقيّ والتقدم والوصول إلى قمم الحضارة، وليست ترفاً ولا مضموناً خاوياً من الحقيقة كما يظنّه بعض من لا علم ولا دراية عنده، لأننا نعلم علم اليقين.
وتعلمون أيها الأعزاء بل يعرفه كل من له أدنى حظٍّ من العلم والحكمة بأنه لن تنجح شركة تجارية صغيرة من غير إدارةٍ ناجحةٍ من رئيسٍ واحدٍ، وكذلك لن تستمر في نجاحها من غير ضمان ولاء عملائها لها، فما بالكم بدولةٍ عظيمة تمتلك الثروات الطائلة ويعيش على أراضيها خلْقٌ كثير لكلٍّ منهم آماله وأحلامه وأفراحه وأحزانه.
وهي في نفس الوقت تواجه التحديات الداخلية والخارجية وتحاول الوصول إلى ما وصلت إليه الدول المتقدمة في شتى جوانب الحياة المدنية، أليست هي وقيادتها أولى بـ"الولاء" من تلكم الشركة الصغيرة؟!
ولست هنا لأسوق الحجج على أهميّة الولاء لأنه أمر عُلم بالضرورة ولكنّي أشرح معناها لمن بُهر بالغرب ويظنُّ أن الغرب لم يصل إلى حضارته الحديثة إلا عندما تخلى عن ولائه، ولم يعلم هذا الظانُّ معنى أسس الحضارة الغربية الحديثة التي بُنيت كلها على "الولاء" أصلاً، ويقول المتنبي:
وليسَ يصحُّ في الأذهان شيءٌ
إذا احتاج النهارُ إلى دليلِ
نعم لن يصحَّ شيء في أذهان العقلاء، إذا احتجنا أن نبين عن أهمية "الولاء"، ولكنّ لا بد من تبيين ماهيتها وأصولها لكي لا يختلط على الناس الأمر وهم لا يشعرون.
الولاء بين الحقيقة والوهم
حقيقة "الولاء"هو شعور يتولد في الأرواح وتترجمه العقول، لتقوم الجوارح بأداء ما يلزم لبقائها واستمرارها، لأنّ أفراد المجتمع يتوقعون بأن ولائهم سيعود لهم بالخير والنفع، فمثلا يوالي الفرد منا:
ـ شركةً ما لشعوره بأنّ بضاعتها جيدة أو يسافر على متن إحدى شركات خطوط الطيران لأنه يعتقد بأنه سيجد الراحة والخدمة المطلوبة فيها.
ـ أو تراه يأخذ بمذهب دينيٍّ أو ينضمّ إلى جماعة متدينة معينة في المذهب نفسه، ويواليها ويعادي من يعاديها كما نراه اليوم في الجماعات الاسلامية المختلفة.
ـ أونجده يؤمن بقضيةٍ إنسانيةٍ أو سياسيةٍ أو اقتصاديةٍ أو تعليميةٍ ويتفاني فيها، لأنه يجد حياته تدور حولها ويظنّ أن هذه القضية فيها الخير الذي يبحث عنه.
- أو نراه شخصا وحدويا وطنيا، قد تيقن أّنّ ولاءه لدولته وحكومته هو مصدر الخير، الذي هو فيه ويجب أن يحرص عليها ويدافع عنها وعن رموزها بكل ما أُعطي من قوةٍ ويحميها بماله وروحه.
كل أنواع هذه الولاءات ستجدونها تدور حول معنى واحد وهو: توقع الخير أو حدوثه، وتمني الناس استمراره، لأنّ الخير المتوقع أو الذي وقع هو مصدر السعادة التي يشعرون بها، ولكنّ هل كل الولاءات صادقة؟ وهل كلها يعود على الأفراد والمجتمعات بالخير؟ وهل الاستمرار في ولاءٍ لا يُجدي نفعاً مصدر سعادةٍ للنفوس؟ وهل الولاء يقودُ إلى الوهم إذا كان من غير توجيهٍ وتعليم ٍوترسيخٍ لقيمه؟..وللمقالة بقية.