لا بدّ لكل قوم من وطنٍ يعيشون فيه، ويقيمون من خلاله جميع مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتعليمية، ولا بدّ لهؤلاء القوم من زعيمٍ أو رئيسٍ أو ملكٍ أو قائدٍ يقودهم إلى تحقيق مصالحهم وتجتمع فيه كلمتهم، وبحسب ما تأصّل لديهم من عاداتهم وتاريخهم، يتم اختيار هذا الزعيم الذي سيُعامل كمعاملة سلفه، حفاظا على وحدة وطنهم وخوفا عليه من الأطماع الخارجية والداخلية التي قد تحوّل حياتهم إلى أحزانٍ ومآسٍ هم في غنىً عنها.
وإن أردتم التشبيه فلنقل: هم قوم يجرّون عربةً وضعوا فيها آمالهم وأحلامهم ورزقهم وسعادتهم، ويجب أن تبقى العربة متحركة حتى تصل إلى مكانها الآمن وإلا فقدوا معيشتهم وأصبحوا عالة على غيرهم، ولهذا قد اختاروا لهم شخصاً منهم ليتولى مسؤولية الإشراف والتوجيه، فكان هو قائدهم وزعيمهم وصاروا هم في طاعة أمره تلقائيا، لا يخالفونه حرصا على مصلحتهم العامة. وإذا كان التشبيه بالعربة الواحدة صحيحاً وقد فهمتم مقصدي منه أيها الأعزاء، فلنعلم أنّ هؤلاء القوم الذين يجرّون عربة النمو والحياة هذه، يجب عليهم أن يتفقوا في الاتجاه والهدف والتوقيت والنصرة والطاعة، وإلا ستتفرق قواهم وتتوقف عربة حياتهم ويضيع تعبهم سدىً، وسينتهون إلى شقاق وفرقة وضياع. وكما قال الشاعر الجاهلي الأفوه الأودي:
لا يصلحُ الناسُ فوضى لا سراةَ لهمْ
ولا سَراةَ إذا جُهّالهمْ سادوا
أي لا تصلح معيشة قوم متفرقين وهم في فوضى من أمرهم بغير سَراة - جمع سريٍّ وهو الرئيس والشريف وأعلى كل شيء - وكذلك لن ينصلح حالهم وتستقيم معيشتهم إذا جهالهم، أي غير أهل الحكمة والخبرة والسياسة، سادوا عليهم أو سُوّدوا. فهنا تقع الكارثة ويكون الخراب والدمار، وهذا الشاعر الحكيم ينصح قومه ومن يقرأ شعره أنه لا بدّ من زعيم يُتفق عليه، يكون حكيما كريما شريفا.
معنى الولاء
لقد شبهت لكم الحياة بعربة لتقريب المعنى، لأنّ جرها يحتاج إلى تعبٍ ونصبٍ، خاصة إذا تمّ جرها في طرقٍ غير معبّدة، كحالنا في هذا الزمن الخطير الذي تتزايد مخاطره يوما بعد يوم، ووطننا فيه الخير العميم والثروات الكبيرة من نعم الله علينا، وقد صارت هدفا للأطماع الخارجية، أو جلبت لنا الحاسدين الحاقدين الذين لا يريدون أن يروا أحدا في نعمةٍ حتى يملكوها أو يفسدوها على أهلها..
وقلت: إنّ لجرّ العربة أُسُساً نحتاجها: من تضافر الجهود المخلصة، والنصرة والذهاب في الاتجاه الواحد وطاعة القائد، لمجابهة كل الصعوبات التي يمكن أن تعيق تحرك عربة حياة المجتمع.. هذا هو ما نسميه "الولاء"، حيث تتكون هذه الكلمة من:
- الطاعة
-النصرة
-التفاني
-الاتفاق
-الوفاء
فإذا توافرت هذه الصفات والمعاني في شعبٍ كُتب له الاستمرار والتقدم والعز، وإذا تضعضعت معاني "الولاء" انهارت دولتهم وصاروا في مهامه (صحارى) الفقر والعوز والخوف والجهالة، وتحولت معيشتهم من النعم العامة إلى النقم التي تغص منها النفوس وتجعلُ الولدان شيبا والعياذ بالله.
ولأننا في هذه الدولة الكريمة المعطاء الآمنة بفضل الله ثم بجهود حكامنا المخلصين وأصالة شعب كريم وفيٍّ، أستطيع أن أتفنّن في ذكر "فلسفة الولاء" وأسوق لكم أهم مبادئها، وأعززها بشواهد حقيقية وقعت في هذه البلاد المباركة.. وللمقالة بقية.