في بداياتي الدراسية وجدت كتبا كثيرة في الأدب والتاريخ، وكنت لا أميز بينها فيكفي أن يكون الكتاب منسوباً لأحد الأعلام فأصدق ما جاء فيه وآخذه على وجه التصديق والصحة، بل كنت من كثرة شغفي بها أحفظها واستدل بها فلما كمُلت عندي الآلات العلمية، واستطعت تمييز صادقها من كاذبها وقويّها من ضعيفها تبيّن لي أن جملة من محفوظاتي يجب أن أتخلص منها، ثم استدركت وقلت: لعلّ ما حفظته كان من الخير لي حتى أستطيع مقارنته بالصحيح، وتحذير الناس منه وكما قال الأول:
عــــــرفتُ الشـــــــرّ لا
للشــــــرِّ لكنّ لتوقــــيهِ
ومن لا يعــــرف الخيــــر
من الشــــّرِّ يقــــعْ فيــهِ
ومن هذه الكتب التي قرأتها وحرصت عليها، بل سهرت الليالي وأنا مستمتع بقراءتها وفهم معانيها كتاب "الإمامة والسياسة" المنسوب إلى العلامة ابن قتيبة الدِّينَوري فهل تصحُّ نسبته إليه؟ وهل كل ما فيه من التاريخ صحيح؟ هذا ما سأبينه لكم أيها الأعزاء في هذه المقالة.
ولد العلامة الكبير أبو محمد عبدالله بن قتيبة الدينوري في الكوفة على أغلب الظن سنة 213 هـ، وقدم إلى بغداد وأخذ عن علمائها كإسحاق بن راهويه ومحمد الزيادي وأبي حاتم السجستاني وغيرهم، وصنف التصانيف المفيدة وكان مقدما في علوم اللغة والأخبار وبقي يعلم الناس حتى يوم وفاته فجأة سنة 276 هـ، ومن هذه المصنفات كما قال الذهبي: غريب القرآن وغريب الحديث، وكتاب المعارف، كتاب مشكل القرآن، كتاب مشكل الحديث، كتاب أدب الكاتب، كتاب عيون الأخبار، كتاب طبقات الشعراء، كتاب إصلاح الغلط، كتاب الفرس، كتاب الهجو، كتاب المسائل، كتاب أعلام النبوة، كتاب الميسر، كتاب الإبل، كتاب الوحش، كتاب الرؤيا، كتاب الفقه، كتاب معاني الشعر، كتاب جامع النحو كتاب الصيام كتاب أدب القاضي، كتاب الرد على من يقول بخلق القرآن، كتاب إعراب القرآن كتاب القراءات كتاب الأنواء، كتاب الأشربة، وقد ولي قضاء الدينور وكان رأساً في علم اللسان العربي والأخبار وأيام الناس.
وقد قال عنه ابن خلكان في تاريخه: كان ابن قتيبة فاضلاً ثقة، سكن بغداد وحدث بها وتصانيفه كلها مفيدة.
قلتُ: تعرفت على ابن قتيبة منذ بداياتي العلمية، فجمعت كتبه ودرستها بل أكثرت من حفظ بعضها، واستفدت منها وكنت أظنُّ أن كتاب "الإمامة والسياسة"، من مؤلفاته فأعجبت به ثم بعد دراستي التاريخ عرفت أنه لن يصح في ذهن أي دارس للعلم أن يصدق بأن إماما في التاريخ واللغة يقع في مثل هذه الهفوات الكثيرة التاريخية.
وكذلك عند مقارنة أسلوب مؤلفاته الأخرى وكتاب "الإمامة والسياسة" فإننا نجد فرقا كبيرا في اللغة والفكر، ولا يمكن أن يكون الكتابان لكاتب واحد، وسأذكر لكم بعضا من هذه الأسباب التي تجعلني أجزم بأن هذا الكتاب ليس لابن قتيبة، بل نسبته إليه كذب وزور، وسوف استشهد أيضا بكلام الذين حققوه ودرسوه من قبلي. وللمقالة بقية أكملها غداً إن شاء الله.