من يقرأ ديوان الشافعي، ويحاول فهمه ونقده وقياس بعضه ببعضٍ بمقياس النقد الصحيح سوف يعرف حق المعرفة أنّ كاتب هذه القصائد ليس شاعراً واحداً بل شعراء مختلفون ومن أزمنة مختلفةٍ أيضاً، ويمكننا تقسيم أشعاره حسب ما توصل لهذا الأمر غير واحد من المحققين والدارسين لديوان الإمام محمد بن إدريس الشافعي، من أمثال الدكتور مجاهد بهجت وهو أفضل من قام بتحقيق ديوانه وتتلخص هذه الدراسات بأنّ الديوان ينقسم إلى:
قصائد ترجح نسبتها إلى الإمام الشافعي: وهذه القصائد ترجح نسبتها إلى الإمام بسبب روايتها بالأسانيد عنه وعن تلاميذه وهي لا تتجاوز 6 نصوص شعرية يقول في إحداها:
وَذِي حَسَدٍ يَغْتَابُنِي حَيْثُ لا يَرَى
مَكَانِي وَيُثْنِي صَالِحًا حَيْثُ أَسْمَعُ
تَوَرَّعْتُ أَنْ أغْتَابَهُ مِنْ وَرَائِهِ
وَهَا هُوَ ذَا يَغْتَابُنِي مُتَوَرِّعُ
قصائد ترجح نسبتها إلى غيره وهي 11 نصا، ومصدر اللبس أنّ الإمام الشافعي كان يحب التمثل بها، فظنها رواة الشعر المتأخرون بأنها من شعره وذلك مثل القصيدة المنسوبة له في ديوانه التي يقول فيها:
تَمَنَّى رِجَالٌ أَنْ أَمُـوتَ وَإِنْ أَمُـتْ
فَتِلكَ سَـبِيلٌ لَسْـتُ فِيـهَا بِأَوْحَـدِ
وَمَا مَوْتُ مَنْ قَدْ مَاتَ قَبْلِي بِضَائِرِي
وَلا عَيْشُ مَنْ قَدْ عَاشَ بَعْدِي بِمُخْلِدِي
فَقُلْ لِلَّذِي يَبْـغِي خِلافَ الَّذي مَضَى
تَهَيَّـأْ لأُخْـرَى مِثْـلِهَا فَـكَأَنْ قَـدِ
وهذه القصيدة كما هو معروف للشاعر الجاهلي عبيد بن الأبرص، وإنما كان الشافعي يتمثل بها كما أخرج ذلك ابن عساكر وغيره والرواية الصحيحة للبيت الأول:
تمنى امرؤ القيس موتي وإن أمت .. إلى آخر الأبيات.
وكذلك قوله:
يريد المرء أنْ يعطى مناهُ
ويأبى الله إلاّ ما أرادا
يقولُ المرءُ فائدتي ومالي
وتقوى الله أفضل ما استفادا
فقد أورد هذين البيتين السيوطي في كتابه "الدر المنثور" وذكر أنهما للصحابي الأنصاري أبي الدرداء رضي الله عنه.
نصوص لا تصح نسبتها إليه، وإنما وردت هذه الأشعار في كتب المتأخرين فقط وعددها 29 نصا من مثل قوله:
لا يكن ظنك إلا سيئاً
إن سوء الظن من أقوى الفطنْ
ما رمى الإنسان في مخمصةٍ
غير حسن الظن والقول الحسنْ
ولا أظنُّ عاقلا سوف يصدق أنّ الإمام الورع الشافعي سيقول شعرا مثل هذا، ويخالف به أحكام الشريعة وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث قال: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث"، وحاشا الإمام أن يقع في هذه السقطات التي لا تليق بمنزلته العلمية.
هناك قصائد أخرى في الديوان لم يرجح نسبتها إلى الشافعي أو إلى غيره، لأننا لم نعرف قائلها وتنسب إلى الإمام بغير إسناد وقد أثبت أكثرها أهل الأدب في القرون المتأخرة عن عصره ولكنها لا تنافي أسلوبه وحكمته وقد تكون القصائد لأحد تلامذته أو لأحد من تمذهب بمذهبه، وظن جامعو الأشعار أنها للإمام، هذا والله أعلم.