منذ صغري وأنا مولعٌ بشعر الحكمة الفصيحة والشعبية، وأجتهد في حفظ أقوال العلماء وأشعارهم، وكنت أجدها منثورة في كتب الأدب القديمة، من مثل «العقد الفريد» لابن عبد ربه القرطبي الأندلسي ( 328 - 246هجرية) و«عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (213 - 276 هـ) وغيرهما، وكنت أجد متعة كبيرة في قراءتها وحفظها، حتى اجتمع في صدري منها الكثير.

وكان من هذه الكتب «ديوان الإمام الشافعي» الذي وجدته ملاذاً آمناً لأفكاري ومشاهداتي للناس، وتأثيره كتأثير شعر شاعر الإمارات الحكيم الشعبي الماجدي بن ظاهر، فشعر الشافعي يشمل كثيراً من جوانب الحياة، وكذلك ابن ظاهر، حيث تجمعهما الحكمة في فكر شاب ناشئ مثلي آنذاك.

بعد مرور الزمن على ما قرأته وحفظته من شعر الشافعي، وكثرة قراءاتي في كتب الأدب ودواوين الشعراء، وجدت كثيراً من أشعار الشافعي منسوبة لغيره، ثم وجدت أيضاً في سيرة حياته الصحيحة التي أثبتتها كتب التراجم أبياتاً كان ينشدها ويحب أن يتمثل بها، ولكن تجدها منسوبة له في ديوانه، وكأن من جمع الديوان اختلط عليه الأمر، فجعل الرواية والإنشاد بمنزلة قول الشعر.

ولم ينتبه أن الأبيات التي تمثل بها الإمام الشافعي كانت لشعراء كبار وأشعارهم محفوظة عند الرواة، ومن نافلة القول أن أذكر لكم ما قام به أحد المحققين منذ فترة قريبة، حيث وجد ديواناً لأحد شعراء الخليج العربي من المعاصرين، وكان هذا الشاعر يحب إذا سمع قصيدة أثبتها في ديوانه، فلما توفي لم يستطع المحقق أن يميز بين شعره وشعر غيره، فنسبه جميعه له جهلاً وظلماً، وكما قيل:

همُ نسبوا عنّي الذي لم أفهْ بهِ

                        وما آفةُ الأخبارِ إلا رواتها

 

الإمام محمد بن إدريس الشافعي الهاشمي ولد في مدينة «غزّة» سنة 150 هـ، وتوفي والده وهو ابن سنتين، فانتقلت به والدته إلى مكة فتعلم العلم فيها، وحفظ القرآن، ونشأ عند أفصح العرب في ذلك الوقت، وهم قبيلة بني هذيل، فحفظ أشعارهم وأشعار العرب، ويقال بأنه بقي بينهم عشرين سنة، وشافه الأعراب حتى صار من فصحاء العرب، وتشهد له مؤلفاته على ذلك، حتى قال غير واحد من علماء اللغة: إن كلام الشافعي حجة في اللغة.

أخذ العلم عن كثير من علماء زمانه، وكان في مقدمهم الإمام مالك، وابن عيينة، والليث بن سعد وغيرهم كثير، حتى بلغ منزلة من العلم نشهد عليها إلى اليوم، فقهاً ورواية وأصولاً ولغة وعلوماً شتى، وهبها الله حتى صار مذهبه من أوسع مذاهب الإسلام انتشاراً بعد المذهب الحنفي، ومن كانت هذه صفاته ومعرفته وبلاغته وفصحاته، لا بد له أن يقول الشعر متى أحب، فالشعر أهون عليه من الأصول والاستنباط المعقد، وكذلك هو هاشمي ومن قريش ونشأ في هذيل قبيلة الشعراء المشهورة، ولكن إذا سلّمنا بذلك، فهل كل الشعر المنسوب للشافعي تصحُّ نسبته له وقد طبعت منه ملايين النُسخ؟ هذا الذي سنعرفه غداً إن شاء الله، وأترككم مع هذه الأبيات للإمام يقول:

علي ثيابٌ لو يباعُ جميعها

                             بفلسٍ لكـان الفلس منهنّ أكثرا

وفيهنّ نفسٌ لو تقاس ببعضها

                          نفوس الورى كانت أجلَّ وأكبرا

وما ضرّ نصل السيف أخلاق غمدهِ

                          إذا كان عضباً حيثُ أنفذته فرى