براءة الأصمعي من «صفير البلبل» (1-2)

مرّ الشعر العربي بمراحل كثيرة من رفعةٍ وانحدارٍ وقوةٍ وضعفٍ، خاصة بعد ذهاب جيل الفصحاء وأصبح الناس يتعلمون العربية الفصحى من الكتب وليست سليقة وطبيعة، فوقعت الأخطاء وانتشر اللحن اللغوي وصار من كان لا يخطئ من العرب العرباء يقع فيه، وكذلك المتعلمون من عامة الناس حتى لم يعد أحد يسلم من نقد علماء اللغة له، كما فعلوا مع كبار الشعراء من مثل أبي تمّام والبحتري والمتنبي.

ومن جاء من بعدهم ولكن هؤلاء الفحول بسبب جزالة أشعارهم وقوة صنعتهم الشعرية تقلُّ لديهم هذه الأخطاء اللغوية جدا، منذ وقتهم حتى عهد الجواهري شاعر العراق الأول، ولهذا استحقوا البقاء والخلود في ذاكرة الأدب العربي، ويتم قياسهم لمن أراد المفاضلة بينهم والقياس حسب عصورهم فلا يقاس المتقدم بالمتأخر، لأنّ فيه ظلما كبيرا.

وخارج هذه الدائرة البليغة ما يسمى بالشعر وليس بشعرٍ ولا شعورٍ، فهو لا يتجاوز كونه قصائد مكسورة وزنا ومملوءة بالأخطاء لفظا ومعنى، ومن أكثر هذه القصائد أو قل (المصائب) الشعرية انتشارا قصيدة "صوت صفير البلبل"، المنسوبة كذبا وزورا إلى إمام لغوي وثقة راوية وهو عبدالملك بن قريب الأصمعي الباهلي (١٢١-٢١٦هـ)، ولا أدري لماذا دعاتنا الأفاضل تعلقوا بهذه القصيدة الركيكة؟ وجعلوها ديدنهم في أمسياتهم وصار لا يخلو حفل زواج منها بل يحثون الشبَبَة الصغار على حفظها ويتسابقون فيما بينهم ويتعجبون لمن يلقيها، وكان ـ فيما علمت ـ الشيخ القطان أول من أنشدها وتم تسجيلها وبثها وأضحك الحضور جدا فطارت من بعده واشتهرت وإن كانت موجودة من قبله منذ زمن بعيد.

قصيدة "صفير البلبل" المكذوبة

تقول القصة إن الخليفة العباسي أبا جعفر المنصور كان يحفظ الشعر من مرّةٍ وخادمه يحفظه من مرتين وجاريته من ثلاث مرات وقد أعجز الشعراء الذين يلقون أشعارهم أمامه لأخذ هداياهم منه فكان يقول لهم: هذه القصيدة أحفظها ويحفظها خادمي وجاريتي ثم يقومون بإنشادها للشاعر فيرجع خائبا من عند الخليفة، حتى فطن الأصمعي لهذا الأمر وكان من ندماء الخليفة فجاء بلباس بدوي ولم يعرفه المنصور وأنشد:

 

صوتُ صفير البلبلِ

                   هيج قلبي الثملِ

الماء والزهر معا

              مع زهرِ لحظِ المُقَلِ

وأنت يا سيدَ لي

                 وسؤددي ومولي لي

فكم فكم تيمني

                   غُزَيلٌ عقيقَلي

قطَّفتَه من وجنَةٍ

                 من لثم ورد الخجلِ

فقال لا لا لا لا لا

                 وقد غدا مهرولي

والخُوذ مالت طربا

              من فعل هذا الرجلِ

 

إلي آخر هذه القصيدة الطويلة والغريبة التي لم يستطع حفظها المنصور، ثم طلب القصيدة فأخرج الأصمعي القصيدة مكتوبة على حجر من الرخام فأسقط في يد الخليفة وأمر صاحب الخزينة أن يعطيه بوزنها ذهبا ففعل حتى لم يبق للخليفة مال.

أقول أولاً: هذه القصيدة ركيكة جدا لفظاً ومعنى ومكسورة وزنا، ولا يصح أن تنسب لزمن المنصور والأصمعي، لأن المتتبع للأدب العربي يعرف أنها من مفتريات القرون الهجرية المتأخرة.

ثانياً: الأصمعي من أئمة اللغة العربية ولم يعُرف بقول الشعر ولم يروَ عنه، بل كان هو من كبار رواة الأشعار وعلماء اللغة الذين حفظوها من الضياع فكيف ينسب له هذا الشعر الغث المكسور.

وللمقالة بقية غداً إن شاء الله تعالى.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات