مراكز التسوق كثيرة ومنتشرة في جميع العالم، وأصبحت علامةً من علامات التقدّم والحضارة، وأيُّ بلدٍ يخلو منها لا يعدُّ مكاناً جاذباً للسائحين، وقد بلغت هذه المراكز الذروة حتى تنافست في المساحات والفخامة وطُرق جذب المتسوقين من أمثالي الذين تبهرهم الأنوار الخاطفة للأبصار.
وتشغلهم تنوّع البضائع المعروضة وفخامة المحلات ونظافة المكان عن الذهاب إلى الأسواق القديمة التي عفا عليها الزمن وصارت في خبر كان، بعد تغيّر القلوب والأوطان، فلم نعد نشتهي شمَّ رائحة البهارات والنباتات العشبية ولا نحب سماع الأصوات المنكرة من هنا وهناك، وقد اختفى منها تماما اللون الأحمر الذي كنا نراه على تلك الطرقات العتيقة بفعل صبغ (البان) الذي تعشقه أفواه أهالي القارة الهندية فهي -ولو أنّ بعضا من مظاهرها باقٍ- لكنها في الحقيقة رحلت مع رحيل تلك الأيام وكما قال أبوتمام:
ثم انقضتْ تلك السنون وأهلها
فكأنّـها وكأنهــــم أحـلامُ
لعلّ الكثيرين منّا لا يعلمون تاريخ تأسيس المراكز التجارية ومن أين بدأت؟ وكيف تطوّرت عبر القرون؟ وقد يتفاجأ بعض القرّاء بأنّها فكرة إسلامية بدأت منذ القرن العاشر الميلادي -وقد تكون قبل ذلك- في أصفهان ثم في طِهران بما يسمى (البازار) الكبير وفي القرن 15 تم بناء البازار الكبير في اسطنبول، ويعد أكبر سوق مغطاة في العالم حتى اليوم ويضم أكثر من 58 شارعا وقد زرته عدة مرات وأعده من عجائب الأسواق.
وقد ألهمت هذه المراكز التجارية الكبرى الروس فتم بناء مركز "دفور" وهو أول مركز تجاري حديث في العالم في سان بطرسبرج في شارع نيفسكي ويضم أكثر من 100 محل وكان ذلك في سنة 1775 ويقال استغرق بناؤه عشرين سنة ثم تم افتتاح آخر في إكسفورد البريطانية، وقد تتابعت المراكز على طرازها القديم وكانت تجمعها صفة السوق المغطاة ولكنها تطورت مع الوقت وفي سنة 1916م بدأت تأخذ مراكز التسوق شكلا وطُرُقاً مبتكرة .
حيث تم افتتاح تسوق في منيسوتا الأمريكية بمنتزه مورغان فكانت نقلة نوعية صممتها شركة "دين ودين" من شيكاغو وكان هذا التصميم ملهماً لكثير من المصممين الذين جاؤوا من بعدهم حتى بلغت المراكز التجارية في الدقة والتصنيف والنوعية والخبرة ما نراه اليوم ونشعر بأنّ الحياة صارت أجمل وأفضل وأسهل بوجودها ولا غنى لنا عنها، ولكن هناك ما يشوب حسنها ويقض مضجعها ألا وهو إجراءات الأمن والسلامة.
كنت قبل أن أرى حريق مركز التسوق في قطر أمس لا أقول "لا" لصديقٍ يدعوني للذهاب إلى أحد مراكز التسوق العامرة في أيِّ مكانٍ من العالم ظنّاً مني أنها آمنة ومحصنة من الكوارث وإذا طلب مني أحد الأبناء الذهاب إليها فإني لا أمنعه بل أشعر أنهم في مأمنٍ ما داموا فيها والله هو الحافظ .
ولكني صرتُ من هذا اليوم أنا وأظنّ أنّ كثيراً من المتسوقين مثلي ومن الآباء أيضا يتساءلون: هل الفخامة والمساحات المخيفة والمباني العجيبة تكفي لإعطاء القلوب أماناً واطمئناناً بعد حريق قطر وهي التي رأت النار تلتهم 14 طفلا أمس أمام أعين أهاليهم؟ الجواب: لا طبعاً!
هذا وقد قال الناطق الرسمي عن كارثة حريق قطر: إنّ جنود الدفاع المدني كانوا لا يملكون خرائط للدخول إلى المبنى! مما يجعلني أثير هذا السؤال هل دفاعاتنا المدنية في الإمارات انتبهت لهذه المعلومة؟ وهل نفذت عملياتٍ وهميةٍ بين وقتٍ وآخر على المراكز التجارية الصغيرة والكبيرة للتأكد من قدرتها على التعامل مع الحوادث ؟ ومما شجاني قول شاهدة عيان وهي مدرسة ومعها بعض الطلبة الصغار: إنها لم تسمع صفارات الإنذار في المبنى المنكوب!!
وأضافت أنها كانت موفقة بوجودها مع الطلبة قرب باب الخروج. كل هذا يحثُّ هيئات الدفاع المدني أن تقرع أجراس الخطر وترفع من قدرتها لإنقاذ الأرواح، وعليها أن تشدّد على أصحاب مراكز التسوق وتصرُّ على بنائه بطريقةٍ أقلّ خطراً وأسلم للمتسوقين فإنهم في عهدتهم قبل عهدة أصحاب مراكز التسوق، ورحم الله قتلى حريق قطر .