قليلٌ من الرحّالة العرب والغربيين أولع بقياسات الأبنية والأماكن العامة، والوصف الدقيق لما يراه خلال تَسياره في البلاد، فمعظمهم يهتمُّ بالحديث عن الظواهر العجيبة التي يراها عرضاً، وهذا الأمر طبيعيٌّ، لأنّ كثرة الأحداث في رحلاتهم لا تمكنهم من التعمق في دراستها، وكذلك سرعة انتقالهم من مكانٍ إلى آخر يجعل من الأمر صعباً.
ومن النادر أن يتحدث الرحّالة بإطناب عن أمر ما إلا إذا بهره جداً، وكان لا بدّ له أن يذكره بتفاصيلة، كمثل الغوص في الخليج عند ابن بطوطة، ورسم الكتابات الحجرية وتتبعها عند نيبور، وهكذا، ولكنه كما أسلفت هو نادر الحدوث ولكنّ الرحالة ابن جبير الأندلسي خالف هذه القاعدة، فقد أولع بكثرة التفاصيل، وكأنك تشاهد عرضاً سينمائياً وأنت تقرأ رحلته، فدعونا نتعرف إليه وإلى رحلته في عجالة مفيدة.
الرحالة الجغرافي محمد بن أحمد بن جبير الكناني الأندلسي من أهالي بلنسية (فالنسيا)، ولد سنة 540هـ، وأخذ العلم عن والده وغيره، وبرع في اللغة والحساب والفقه وغيرها من العلوم، وكان يقرض الشعر، وعمل كاتباً في مدينة «شاطبة»، ثم قرر الحج سنة 578هـ، ثم عاد إلى بلاده، وفي عام 585هـ رحل ثانية بعد فتح بيت المقدس، ثم قام في 601 هـ برحلته الثالثة والتي بقي متنقلاً فيها لأكثر من 10 سنوات بين مكة وبيت المقدس والإسكندرية، حتى وافته منيته سنة 614هـ، رحمه الله. والمتتبع الممعن في قراءة رحلته.
يجده رجلاً أديباً عالماً صاحب أخلاق عالية، كثير التفكر فيما يرى، دقيق الوصف، وصاحب مهارات كثيرة تدلُّ على المستوى العلمي الذي كان عليه أهالي الأندلس في تلك الأيام، ومن أغرب وأعجب ما قرأت فيما سطّره، وصفه لقبة الرصاص في الجامع الأموي، فيقول باختصار منّي:
«من أعظم ما شاهدناهُ من مناظر الدنيا الغريبة الشأن، وهياكلها الهائلة البنيان: الصعود أعلى قبة الرصاص المذكورة، القائمة وسط الجامع المكرم (الأموي)، والدخول في جوفها، مع القبة التي في وسطها كأنها كرة مجوفة داخلة وسط كرة أخرى أعظم منها؛ صعدنا إليه في جملة من الأصحاب المغاربة من مرقى في الجانب الغربي من بلاط الصحن كان صومعةً في القديم.
وتمشينا على سطح الجامع ، وكله ألواح رصاص منتظمة، وطول كل لوح أربعة أشبار، وعرضه ثلاثة أشبار، وربما اعترض في الألواح نقص أو زيادة، حتى انتهينا القبة المذكورة، فصعدنا إليها على سلّم منصوب، فحبونا في الممشى المطيف بها، وهو من رصاص، وسعته ستة أشبار، فلم نستطع القيام عليه لهول الموقف فيه، فأسرعنا الدخول في جوف القبة، فأبصرنا مرأى تحار فيه العقول، وجُلنا في فرش من الخشب العظام حول القبة الصغيرة الداخلة في جوف القبة الرصاصية على الصفة التي ذكرناها، ولها طيقان (نوافذ) يبصر منها الجامع ومن فيه، فكنّا نبصر الرجال فيه كأنهم الصبيان في المحاضر (لصغرهم).
وهذه القبة مستديرة كالكرة، وظاهرها من خشب قد شُدَّ بأضلاع من الخشب الضخام موثّقة، ينعطف كل ضلع عليها كالدائرة، وتجتمع الأضلاع كلها في مركز دائرة من الخشب أعلاها. وداخل هذه القبة، وهو ما يلي الجامع المكرم، خواتيم من الخشب منتظم بعضها ببعض، قد اتصل اتصالاً عجيباً، وهي كلها مذهبة بأبدع صنعة من التذهيب.
مزخرفة التلوين، يرتمي الأبصار شعاع ذهبها، وتتحير الألباب في كيفية عقدها ووضعها لإفراط علوّها، ثمّ انصرفنا منحدرين، وقد قضينا عجباً عجاباً من هذا المنظر العظيم، شأنه المعجز وضعه المرتفع عن الإدراك وصفه، ويقال: إنه ما على ظهر الأرض أعجب منظراً، ولا أبعد سمواً، ولا أغرب بنياناً، من هذه القبة».
قلتُ: تذكروا أيها الأعزاء هذه الحضارة الإسلامية العظيمة التي حيّرت العالم، ومهّدت العلوم للبشرية جمعاء، ولنحاول أن نعود إلى سالف مجدنا وعزتنا، وسنعود بإذن الله.