منْ أوائل الرواياتِ التي قرأتها في حياتي على قلّةِ ما قرأتُ منها، رواية "البؤساء" للأديب الفرنسي الكبير فيكتور هيجو، ومن الطرائف أنّ تلك النسخة التي وقعت في يدي وأنا صغير، لا أعلم من يملكها، وكانت منزوعة الغلاف فأخذتها وهلهلتُ أقرأ منها وبغير شعورٍ مني أخذتني إلى ذلك العالم الغريب الذي خلّده كاتبها فيها، ولا زالت تلك اللوحات التي رسمتها في مخيلتي الصغيرة عن تلك الشخصيات المذكورة عالقة في ذاكرتي كلما ذُكرتُ هذه الرواية، وكنت أتساءل في براءة الطفولة هل هناك بشرٌ يعيشون هكذا، ولم أكن أعلمُ أنّ هذه الرواية كُتبت منذ زمن بعيدٍ في منتصف القرن 19 الميلادي وتحكي قصصاً لفترةٍ سبقت ذلك العهد، ولكنها كما قلتُ هي لوحات في الذهن طفوليةٌ وأسئلةٌ عفويةٌ جالت في ذهن ذلك الولد الصغير.
فيكتور هيجو" من أعلام الأدب الفرنسي ومن أكبر شعرائها، وله المقام الأسمى في الرومانسية حتى أنه قال مفتخراً:"أنا الذي ألبستُ الأدب الفرنسي قبعةًَ حمراء" ويعني أنه رفع من مستوى الأدب الفرنسي، وبلغ به الغاية في الرومانسية والجمال، وقد صدق بشهادة الأدباء الكبار من بني لسانه والمترجمين لأعماله التي ترجمت لكثير من اللغات. ولد "هيجو" في 26 فبراير من عام 1802م ميلادية وكان والده يعمل ضابطا في الجيش الفرنسي برتبة كبيرة فتعلم في باريس ومدريد ولما بلغ 14 سنة كتب أول مسرحية له، ثم نشر ديوانه الشعري وهو في أول العشرين وفي سنة 1862م نشر روايته الشهيرة "البؤساء" والتي تعد من أعظم أعماله، وكانت وفاته في 22 مايو 1885م.
رواية "البؤساء" الصواب لغةً: البائسون- من أشهر الروايات المنشورة في القرن التاسع عشر، وقد كُتبت تخليداً لفترةٍ من فترات البؤس والظلم الاجتماعي التي عاشتها فرنسا منذ سقوط نابليون 1815م وحتى الثورة ضد الملك لويس فيليب 1832م وفيها أظهر هيجو جميع براعته الأدبية وسكب على أوراقها جملةً من دموع الحزن ومشاعر الأسى التي كانت تعتصر قلبه وهو يكتبها في منفاه،ولا يستطيع أحد ممن يقرأ هذه الرواية إلا أن يكملها لكثرة أحداثها وترابطها الغريب حيث الفرح والبؤس والقلوب الطاهرة الطيبة، وتلك الخبيثة الشريرة، بطلها الحقيقي ليس "جان فالجان"، ولكنه هيجو بنفسه الذي ملأ الرواية بالفلسفة والقانون والخير والشر والعدالة والدين والطبيعة وتكلم عن مدينته باريس الذي كان بعيداً عنها ولم يغفل دور الحب والرومانسية التي هي أهم صفات الكاتب.
عرف العرب رواية "البؤساء"، من خلال تعريب شاعر العروبة الأديب الكبير حافظ إبراهيم (1872-1932م) فبلغت هذه الرواية القمّة عندما نشرها سنة 1903م، فكأنّها كتبت مرتين: مرة كانت من روائع كاتبها، والمرة الثانية كانت من روائع مترجمها، فقد زادها بهاءً وجمالاً ومتعةً وسحراً وإبراهيم من أرباب البيان وأحد كبار صانعيه فلا عجب إنْ بلغت به هذه الرواية هذا المستوى السامي، ولسموّها قال أديب العرب الكبير مصطفى صادق الرافعي عن هذه الترجمة: "غير أنّك في البؤساء ترى مع الترجمة صنعةً غير الترجمة، و كأنما ألّف هيجو هذا الكتاب مرةً و ألفه حافظ مرتين، فهو ينقل عن الفرنسية ثم يفتنُّ في التعبير عما ينقل، ثم يحكم الصنعة فيما يفتنُّ، ثم يبالغ فيما يحكم؛ فأنت من كتابه في لغة الترجمة، ثم في بيان اللغة؛ و بهذا خرج الكتاب و إنّ مترجمه لأحق به في العربية، وجاء وما يستطيع أحد أن ينسى أنه لحافظٍ دون سواه".
قلتُ : من يقرأ هذه الرواية بترجمة حافظ إبراهيم يُصدّق ما قاله الرافعي، ولا يشكُّ في كلامه، ولكنّ الموت أخذه قبل أن يكمل الترجمة بعد أن أنجز جزأين، رحمه الله تعالى وألهم أصحاب الترجمات الأحياء الجودةَ وحسن التعريب ولكي تقلّ جرائم الترجمة التي تشوه الأصل وتخرج روائع الأعمال الأدبية والعلمية في ترجماتٍ باهتةٍ لا طعمَ لها ولا لون!.