جرّبتُ الدخول في عالم "تويتر" أول ظهوره، ولكني رأيته غير ممتعٍ ولم أعره أيّ اهتمامٍ تلك الأيام، ومرّت السنوات وإذا بالبرنامج الوليد يفوق التوقعات في سيطرته على أذهان الناس صغيرهم وكبيرهم، وهو برنامج اخترعته سنة 2006 شركة ابيوس، وهي شركة من سان فرانسسيكو الأميركية وفي أكتوبر من نفس العام طُرح البرنامج للعالم، ثم قامت الشركة بتأسيس شركة مستقلة له وسمتها "تويتر"، وذلك في سنة 2007 ، ثم عقدت صفقة مع محرك البحث غوغل في سنة 2009 لإدراج معلومات المغردين في محركها العالمي، وهكذا نالت "تويتر" شهرة عالمية فاقت منافسيها في نفس الفكرة من مثل "بلارك" و"وت وت" و"باونس"، والمتتبع لتحركات "تويتر" يعلم يقينا أنّ وراء نجاحها شركات تسويق ناجحة ومتابعة مستمرة للتطوير والانتشار بين لغات العالم، ولكنها تعرضت في فترةٍ ماضية إلى انتكاسة بسبب كثرة المستخدمين حتى خرجت عن الخدمة وهذا ما لا نتمنى تكراره، خاصة بعد بلوغ العرب المغردين أكثر من 3 ملايين.

زاد عدد المستخدمين وزادت التغريدات حتى وصل بعضهم إلى أنه يكتب كل وقته بكل ما يجول في رأسه، فهو مدمنٌ لا يملُّ ولا يكلُّ ومع هذا فإنّك ترى عدد المتابعين له "الفلورز" قلةً، وهذا ما يسبب للبعض إحباطاً والبعض لا يبالي، لأنّ الأمر لا يعدو أداةً مسلية وتتعرف من خلالها على الناس، ولكنّ بعض الناس في العالم لا يرضيهم هذا العدد القليل من المتابعين فهم يطمعون في أنّ يكون لهم أكبر عدد منهم وإلا ستضعف وجاهتهم بين الناس، ويشعرون بالذلة إذا جلسوا مع أصحابهم المغردين، ومن هذا الداء الغريب خرجت بعض الشركات الجريئة بأفكار جنونية، وروجت بوقاحة لما يطمع إليه هؤلاء المتفاخرون فاخترعت لهم طريقة تجعلهم يشعرون بعلو قدرهم بين الناس، وتستطيع أن تعينهم على الافتخار بكثرة أتباعهم في "تويتر" ليس بعلمهم ونفعهم للناس بل بدراهمهم ودولاراتهم!!

تقوم هذه الشركات بالترويج من خلال محرك البحث عن برامجها، فإنك عندما تكتب في غوغل اشتر متابعا باللغة الإنجليزية، فإنه يدلك على الشركات التي تبيع هؤلاء المتابعين بأسعار زهيدة لو فكرت فيها بـ600 دولار وأقل وأكثر ولكنها تكفي لتغريك بالشراء والدخول في عالم الشهرة والمتعة، وكذلك تقوم بالتعهد باستبدال المتابع الذي ينفصل عنك بمتابعٍ جديدٍ مباشرةً، ومن أغرب الاعلانات التي قرأتها في هذه المواقع المجنونة "اشتر الآن لتبدأ الأعمال القذرة"، وهم يعلمون بأن شراء المتابعين عملٌ غير أخلاقي، ومع هذا فهم يساعدون فيه من أجل جني المال ولا يبالون بالعواقب.

مما حداني لأكتب عن هذا الموضوع هو ما رأيته في بعض حسابات المغردين، حيث بلغت أعداد متابعيهم أرقاماً فلكيةً بسرعة البرق وهم أناس ليسوا بالمستوى العلمي المرموق، ولا بالشباب الناشطين ولا أصحاب الشهرة من الأعلام لكي يبحث عنهم المغردون كما يفعل الناس عادة، وإذا فتحت حسابهم وهم لا يغردون إلا باللغة العربية، وتأملت في أسماء المتابعين لهم فسوف تجد قائمة أسماء طويلة، كلها لأجانب وحساباتهم لا تتحرك أبداً، لأنهم لا يتحركون أصلا بل هم أشبه بالأجهزة الآلية تستخدم للاستثمار الغريب وللنصب في "تويتر" فوا أسفاً على الصدق.

بعد دخولي هذه المدة القصيرة في "تويتر" وجدتُ أنّه أمانة في أعناق المستخدمين، ويجب علينا المساهمة في رفع مستوى الخبرة والمعرفة وخدمة وطننا الحبيب ومجتمعنا الغالي من خلاله، لا لنجعله للتباهي وتضييع الأوقات في أمور لا فائدة منها فإننا أمة راقية سامية وسنبقى كذلك.