الرحلات القديمة فيها كثير من الطرائف والقصص التي حرص أصحابها على تسجيلها لمن يأتي من بعدهم، وأرى جمعهم لأخبار رحلتهم من علوِّ الهمّة ومن حرصٍ على إفادة الباحثين وإمتاعٍ للقرّاء، وقد كان المغاربة القادمون إلى المشرق أكثر حرصاً من أهل الشرق على التدوين، ولكن تبقى هذه الرحلات المشرقية خالدةً ومهمةً من مثل رحلة ناصر خسرو التي تسمى "سفرنامه" فمن هو ناصر خسرو وما هو طريق رحلته الشهيرة؟
ناصر خسرو قبادياني (1003-1088م) ولد في قباديان ببلاد فارس وعمل في الدولة الغزنوية ثم السلجوقية، وقد كان كثير القراءة والاطلاع وكان من أمره أنه رأى رؤية أوّلها بالسفر إلى الحج، فعزم عليه وانطلق من "مرو" في سنة 1045م وهو يسير في القرى والبلدان حتى وصل إلى مصر فبقي فيها 3 سنين وحج 3 مرات، ثم في سنة 1050م قفل راجعا إلى بلده فحج للمرة الرابعة واتجه نحو اليمامة (الرياض) ثم إلى الأحساء ومنها إلى بلاده فوصلها سنة 1052 بعد 7 سنوات من الغربة.
وقال في آخر هذه الرحلة: "تبلغ المسافة التي قطعناها من بلخ إلى مصر ومن مصر إلى مكة ومنها إلى فارس عن طريق البصرة ثم إلى بلخ عدا الأطراف، التي زرناها في الطريق ألفين ومائتين وعشرين فرسخاً، وقد وصفتُ بأمانةٍ ما رأيت في رحلتي".هذا وأصل الرحلة باللغة الفارسية وفي سنة 1881م طبعت مع ترجمتها في فرنسا حتى عام 1945م قام الدكتور يحيى الخشاب بترجمتها إلى العربية.
مما يهمنا من هذه الرحلة المهمة، نحن الخليجيين، هو وصفه جزيرة العرب في تلك الفترة البعيدة التي لا نعرف عنها إلا قليلاً، ولهذا اخترت لكم أيها الكرام بعضاً من وصفه للرياض، فيقول:
"قال لي أعرابيٌّ: أنا أحملك إلى البصرة، ولم يكن معي شيء قطُّ لأعطيه أجراً، والمسافة مئتا فرسخ وأجرة الجمل دينار ويباع الجمل العظيم هناك بدينارين أو ثلاثة، ولكني رحلت نسيئة (أي الدفع لاحقا) إذ لم يكن معي نقود، فقال الأعرابي: أحملك إلى البصرة على أن تأجرني ثلاثين ديناراً فقبلت مضطراً، ولم أكن قد رأيت البصرة قط، فوضع هؤلاء الأعراب كتبي على جمل أركبوا عليه أخي وسرت أنا راجلاً، كان الطريق مستوياً لا جبال فيه ولا مرتفعات، وكان ماء المطر متجمعاً حيثما كانت الأرض أشدَّ صلابةً ومضت ليالٍ وأيامٌ ولم يبد في أي جهة أثرُ الطريق، إلا أنهم كانوا يسيرون بالغريزة بالسمع ومن العجيب أنهم كانوا يبلغون فجأة بئر ماءٍ مع عدم وجود أي علامة".
قلت: ما أرخص أسعار الجمال في تلك الأيام، وليأت ناصر ولينظر هل سيشتريهما بدينارين هذه الأيام؟!.
يقول خسرو عن اليمامة (الرياض): وبالاختصار بلغنا "اليمامة" بعد مسيرة أربعة أيام بلياليها وباليمامة حصنٌ كبير قديم والمدينة والسوق، حيث صنّاع من كل نوع يقعان خارج الحصن، وبها مسجدٌ جميل، وأمراؤها علويون منذ القديم ولم ينتزع أحد هذه الولاية منهم إذ ليس بجوارهم سلطانٌ أو ملكٌ قاهر.
وهؤلاء العلويون ذوو شوكة فلديهم ثلاثمئة أو أربعمئة فارس، وقيل إنّ سكان هذه المدينة خاضعون للأشراف وفيها مياه جارية في القنوات ، ونخيل وقيل إنه حين يكثر التمر يباع الألف منه بدينار ومن اليمامة إلى الأحساء أربعون فرسخاً ولا يتيسر الذهاب إليها إلا في فـصل الشتاء حين تتجمع مياه المطر فيشرب الناس منها ولا يكون ذلك في الصيف".
قلت: يعني بالعلويين الدولةَ الأخيضرية التي أسسها محمد بن يوسف الأخيضر في سنة 866م، وقد حكمت هذه المنطقة لفترة من الزمان وهم من ذرية الحسن بن علي رضي الله عنه، وبقوا حكاماً فيها حتى قضى عليهم القرامطة في منتصف القرن الخامس الهجري.