لا يزال الشعر يتصدّر قائمة الأكثر بقاءً في قائمة الكتب العالمية، وإن لم يكن الأكثر مبيعاً في دور الكتب والمعارض، حيث تتصدر الروايات الحديثة دائماً قوائم البيع في كل مكانٍ، ويكسب أصحابها كثيراً من الأموال والشهرة، ويكونون أقرب للفوز بالجوائز العالمية مثل جائزة "نوبل"، وقد يستحسن الرواية بعض منتجي الأفلام فتدخل الرواية عالم السينما فتحقق شهرةً وبيعاً منقطع النظير، ولكن الروايات من أرقاها إلى أدناها تقرأ لمرةٍ واحدة ثمّ تضمُّ إلى أرفف المكتبة، حيث تبقى هناك صامتة وقد تموت مع مرور الأيام، ويختلف هذا الأمر مع الشعر ودواوينه وأربابه فهو لا يزال يتجدد مع كل عصر وكأنه أُنشد أمس، ولا تزال الشعوب تحافظ عليه وتفخر به ولو لم يكن يباع كثيراً، ولكنّ الشعر على رغم أنف دور النشر خالد أبداً.

الحكمة من أرقى مقاصد الشعر الخالد الذي يتناقله الناس عبر العصور، وخاصة عند العرب الذين يعدّون شعر الحكمة من أسمى آدابهم، ويحرصون عليه كما يحرصون على عاداتهم وتراثهم فلا يخلو مجلس من قصيدةٍ شعريةٍ أو بيت حكمةٍ من شعر الفصحاء أو الشعبيين من أمثال المتنبي وابن ظاهر الشاعر الإماراتي الحكيم، وأكثر الناس لا يحفظون من قصائدهما إلا أبيات الحكمة السائرة، وهذا معروف ومتوارث بينهم، مما يدلّك على أنّ شعر الحكمة أكثر بقاء وانتشاراً من باقي الأشعار، ويشير أيضا إلى نضج خبرة الشاعر وفهمه الصحيح للحياة، ولهذا جاء مدح حبيبنا صلى الله عليه وسلم لهذا النوع من الأشعار فقال: "إنّ من الشعر لحكمة".

من هذا الاهتمام البالغ للشعر عامة، وبالحكمة خاصة يأتي حرص سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم على بثِّ حكمته في سائر أشعاره، حتى ولو كانت غزلية أو ألغازاً أو في أي غرضٍ من أغراض الشعر، فلا تجد قصائده تخلو من الحكمة البليغة التي تعكس خبرته العملية ومهارته في فهم الأمور باطنها وظاهرها، وتظهر عبقريته الفذة في إصابة أهدافٍ بعيدةٍ لم يصل إليها أحدٌ قبله وهذه هبةٌ من الله وملكةٌ فطريةٌ زاد في ملاكها تمرُّسه في شؤون الحكم والمجتمع، ومن الفكر العميق الذي يعرفه عنه كل من يتعرف إليه ويتشرف بالعمل في بعض أعماله.

من أشعاره الخالدة التي تؤثر فيّ كلما أتذكرها وقد تشرّفتُ بالاستماع إليها منه مباشرة حفظه الله تعالى، حينما قال:

ما اغلى النهار إنّ الليالي تضدّه

                          لو كان سرمد ما أظنه بينطاق

 

يزيّد غلا اللولو صعوبة مكدّه

                        لو هو رخيصٍ ما تعلّق بالأعناق

 

وحتى ربيع الوقت لو طال مدّه

                         ما شفت يا خلّي له النفس تشتاق

 

وهذه قصيدة عاطفية فيها عتاب وشوق وغزل وحكمة بدأها بحديثٍ فلسفيٍّ رائعٍ فقال:

طال الغياب ولامني من أودّه

                   وبقدر طول الغيبه يطول العناق

 

فهو كأنه يقول لا تلمني يا من أحبك وأودك واطلب منّي الغياب أكثر، لأنّ قلوب المحبين كلما طال بها النوى فسوف يؤدي ذلك حقاً إلى طول عناقها عند اللقاء، وزيادة أشواقها وتجديد الحب في ما بينها.

هذا وللحديث بقية.