هل كان القضاء وظيفةً يُنتظر راتبها آخر الشهر كما نراهُ اليوم؟ أم أنه كان وسيلةً للنفوذ وبسط السلطة؟ أم أنه مدعاةٌ للكبر والتعالي على الناس؟ أم أنه أمانةٌ عظمى ومكانةٌ شريفةٌ؟ لا يجوز أن يصل إليها إلا أهل العلم والفضل والصلاح وليست وظيفةً يقتاتُ منها وإنْ أثيب عليها صاحبها براتب شهريٍّ وهو الذي أمرنا به الشارع الحكيم وتقرُّه الأعراف والأخلاق، فقبل أنْ يتقدم الرجل إلى القضاء يجب عليه أن يفكر ألف مرةٍ ثم يسأل نفسه هذه الأسئلة:

- هل أنا قادرٌ على تحمّل هذه المسؤولية العظيمة أمام الله ورسوله والناس؟

- هل خوفي من الله وصلاحي يؤهلاني لأنْ أقف هذا الموقف؟

- هل طلبتُ العلم ووفيت حقوقه حتى أصلح للقضاء؟

- هل ذكائي وفطنتي قادرةٌ على استنباط الأحكام وفهم القضايا؟

- هل أنا بصحةٍ وعافيةٍ لا أشكو من أمراضٍ تغيّر من مشاعري وتحجّم تفكيري؟

- ما هي نيتي عند دخولي سلك القضاء أهي للإصلاح أم لغيره؟

هذه بعض الأسئلة التي أنصح بها كل من يتقدم لهذه المهمة العظيمة بأن يسأل نفسه قبل الدخول في غضب الله ورسوله والناس.

لن أعود بكم أيها الأعزاء إلى العهد البعيد من تاريخنا العريق فلعلّ قائلًا يقول: ذلك زمن لا يمكن أن يعود وقضاة لا نستطيع تقليدهم، ولهذا سأضرب لكم مثالين لعلمين من تاريخنا المعاصر ومن الإمارات الحبيبة وليسا بمغمورين بل هما أشهر من نار على علم (جبل) جعلا القضاء طريقهما إلى الجنة وكانا من كبار المصلحين الدعاة قبل أن يكونا من القضاة.

 

الشيخ أحمد بن حسن

ولد في عام 1878م تقريباً وفي منطقة الراس بديرة، والده الشيخ حسن بن محمد من الشيوخ والمشهود لهم بالفضل والعلم وكان خطيب المسجد الكبير بدبي وقد حرص على تربية ولده الشيخ أحمد التربية الحسنة فنشأ شاباً ورعاً متجهاً للعلم وأهّله بكل جوارحه، درس على أيدي كبار العلماء من أمثال الشيخ عبدالعزيز بن حمد آل مبارك الأحسائي وبعد تخرجه عمل في تجارة اللؤلؤ ثم بعد وفاة والده عين قاضياً لدبي منذ 1925 تقريباً واستمر يقضي بين الناس بالحق أربعين سنة عُرف خلالها بالرأفة وتحري الحق والإصلاح بين الناس قبل أن يقضي بينهم وكان رحمه الله محبوباً كثير البكاء من خشية الله وتوفي سنة 1973 رحمه الله تعالى.

 

الشيخ مجرن بن محمد الكندي

ولد الشيخ مجرن في أسرةٍ علميةٍ متوارثٍ فيها العلم سنة 1903م ونشأ في كنف والده الشيخ القاضي محمد الملّقب بالكندي فأخذ العلم عنه وبرع في علوم اللغة والفقه وتدرب على القضاء والفتيا في حياة والده، حيث كان يحيل إليه بعض القضايا ثم لما بلغ مبلغ القدرة على القضاء عين قاضياً في أبوظبي.

وكان يقضي في البيت والمسجد والسوق ومجلس الحاكم لا يردُّ له حكم ثم في الستينيات عينه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان قاضياً في العين لأن الشيخ زايد يعرف علمه وتقواه وحرصه على الحق والعدالة. عُرف الشيخ الكندي بأنه كان يتوخى العدل في أحكامه ويحاول الإصلاح بين المتخاصمين قبل البدء في القضاء بل ينجح في كثير منها لأن الشيخ مقدر بين الناس وكلمته مسموعة، وبقي هكذا حتى يوم وفاته وقد ناهز المائة من عمره سنة 2002 رحمه الله تعالى.

أيها الأعزاء هذان مثالان لرجلين صالحين يصلحان أن يتعلم منهما قضاتنا الجدد وليعلموا أنّ القضاء ليس مجرد حكمٍ ودراسة قانون إنما القضاء إصلاحٌ للمتخاصمين ودعوةٌ وإرشادٌ وتوجيهٌ قبل القانون وبعده.