يذكرني المثل العامي القائل: «ضربني وبكى، سبقني واشتكى» بحال كثيرٍ من الناس هذه الأيام، حيث اختلطتْ أحوالهم للناظرين الحكماء، حتى بلغوا مرحلة الحيرة بل هذا مصير كلِّ من يتابع حالاتهم الشخصية، فإنه لا محالة واقعٌ في حِيصٍ بِيصٍ، لا يدري من يصدّق ومن يكذّب، ولهذا تفشل أكثر هذه المحاولات الإصلاحية بل بعضها يؤجّجُ النار ويزيدها لهيباً، لأنّ الإصلاح نابعٌ من ضمير المتخاصمين، فإذا لم يجد الإصلاح مرتعاً خصباً في قلوبهم فلن يفيد هذا الإصلاح إلا تلفاً وفساداً ومضيعةً للوقت، ويصحّ عليهم قول الأول:

رامَ برّاً فضرّ منْ غير قصدٍ

                      ومنَ البرِّ ما يكونُ عقوقا

نعم بعض البرِّ يكون عقوقاً كمثل ذاك الجاهل الذي أراد حجامة أمه فكان سبب هلاكها، وكذلك يفعل الجهال والمدّعون إذا لم يكونوا أهلاً للمسؤولية المناطة بهم، ولم أجد حتى اليوم أو أسمع بمن يعتذر عن شُغْل مكانٍ لا يتقنه إلا نادراً وخاصة في الأعمال التي تمس حاجات الناس، وهذا يتسبب بالكوارث المجتمعية آجلاً أم عاجلاً، وليته خشي الرحمن ولم يقبل بالوظيفة بدأةَ ذي بدْءٍ أو لمّا قبلها التمس الحيطة والحذر وطلب العلم والخبرة ممن سبقه فيها أو على الأقلِّ اتخذ له مستشاراً حليماً يرجع إليه إذا أشكل عليه الأمر قبل أن يفتي ويقضي فتكون في فتياه أو قضائه قضاءً على عائلةٍ بأكملها، ورضي الله عن النابغة الجعدي إذا يقول وهي من عجائب شعره أنشدها للرسول صلى الله عليه وسلم فقال له، لا فُضّ فوك:

ولا خيرَ في حلمٍ إذا لم يكنْ لهُ

                                 بوادرُ تحمي صفوهُ أنْ يكدّرا

ولا خير في جهلٍ إذا لم يكنْ لهُ

                              حليمٌ متى ما أورد الأمرَ أصدرا

إنّ المجتمعات في هذا الوقت ليست كالتي مضت فقد كبرت حتى أصبحت لا تطاق، واتسعت حتى بلغت السحاب طولاً وجميع الأرض عرضاً، فيجب علينا أن نفكر فيها في منظورنا الحاضر ولا داعي لاستجلاب الماضي لأنه لم يعد نافعاً وأعني بالماضي الأساليب القديمة ولا أعني العلوم الشرعية القديمة، لكي لا أفهم من أحدٍ بالخطأ، ومن أهم هذه الأمور المتعلقة بالأسرة وحياتها هو الإرشاد الأسري وإني أطالب له بما يأتي:

- بناء مبانٍ خاصةٍ لقضايا الأسرة تنتشر في جميع أنحاء الدولة ولا تسمى محكمة بل أي اسم ألطف من ذلك، تكون مجهزة لاستقبال الأطفال، ويكون فيها صالات للمحاضرات ومكتبات سمعية وبصرية وورقية، ويقام فيها دورات حياتية للأسر من الزوج حتى الخادمة والسائق ولا تتبع إدارياً للقضاء بل تكون كياناً مستقلاً عن المحاكم ومصائبها.

- تخصص للمواطنين فقط ولا يعمل فيها إلا المواطنون من أهل السمعة الطيبة والخبرة ومن الأسر التي عرفت بالخير والاجتهاد في أعمال الإصلاح وهم والحمد لله كثر في بلادنا الحبيبة ويبقى إخوتنا الموظفون من الدول العربية الأخرى في المحكمة العامة.

-تكون في كلِّ إمارةٍ لجنة من 5 أو 7 محلّفين من أهل العلم المواطنين وممن شُهد لهم بالكفاءة والخبرة والصلاح ومن الأسر المعروفة بالخير والدين تحول إليهم قضايا الأسرة ويقومون بدراسة الحالات وتوجيه القاضي إلى الحكم الصحيح.

-يكون القاضي مهتماً بإصلاح الأسر وليس همه الحكم فقط كأنه لا يعرف إلا ذلك، وكل قاضٍ لا يحاول الإصلاح ولا يؤجل القضايا التي يمكن إصلاحها من طلاق وخلع يتم الاستغناء عنه فهو ضرر للمجتمع.

-اختيار قضاةٍ من أهل البلد في كل إمارةٍ لقضايا الأسرة المواطنة حتى لا نظلم القاضي الوافد ولا يظلم أسرنا وتصبح الضحية جلاداً وبالقانون.. وللحديث بقية.