المبادرات ليست إلا وليدة عقولٍ واعيةٍ وقلوبٍ مخلصةٍ يعرف أصحابها متى تبادر وكيف تحول المبادرة إلى حقيقةٍ. وتعرف أيضاً أيَّ أمرٍ سامٍ تريد بلوغه، وليست المبادرات اقتناصاً للفرص المتاحة، ولكنها حثٌّ للهمم وتغيير للواقع وسعي حثيث للازدهار والتقدم للشعوب والأفراد، وإنْ لم تكن كذلك فلا حاجة للناس إلى مبادرات لا ترقى إلى قيمة الحبر والورق التي سجلت به!!.

 

عودنا شيوخنا حفظهم الله تعالى على المبادرات العلمية والاقتصادية والإنسانية والبيئية وغيرها، مما جعلنا من الدول الريادية في المنطقة، وصارت الدول المجاورة تحاول اللحاق بنا، ولكن الأمر دونه خرط القتاد، فدولة الإمارات تعودت،حكومة وشعباً، على المركز الأول، ولن تتنازل عنه بحول الله وقوته، ومن هذه المبادرات تأتي مبادرة جليلةٌ وحملة نبيلةٌ أطلقها سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان حفظه الله تعالى، تهدف إلى حماية بيئة الإمارات من التخريب والتشويه من قبل العابثين، عديمي الإحساس والمسؤولية الذين يتخذون البر لقضاء إجازاتهم ويتركونه بعد بضعة أيامٍ مشوَّه الصورة بائساً باكياً من أفعالهم، ولو كان للبر لسان لنطق من شدة ما يعانيه منهم.

تأتي هذه الحملة والتي حدّد لها 20 يناير في وقتٍ معظم الناس في مخيماتهم وكأنها رسالة للجميع وتنبيه من سموه على أن البر مسؤولية الناس قبل أن يكون مسؤولية البلديات، وكما وجدوه نظيفاً هذا العام فليتركوه نظيفاً جميلاً للعام القادم.

 

سئلت مرة عن كلمة «البر» ولماذا تطلقون اسم البر على الصحراء؟ فقلت: البر كلمة تطلق عند أهالي الخليج على الصحراء وإن كان في الفصحى تطلق على كل ما ليس ببحر، والبرية هي الصحراء عندهم، لأن أجدادنا لا يعدون قراهم الساحلية من البر، ولو كانت صحراء بل خصوا البر بصحرائهم الفاتنة الساحرة التي لا تشبهها أيُّ صحراء في العالم، حيث الجمال الفاتن والهدوء المريح وقليل من الأشجار التي تقف شامخة رغم قساوة الجفاف كأنها تقول لأصحاب الأرض أنا هنا لكم، وجدت على رغم العطش لأكون ظلاً وحطباً، وسأبقى لكم إذا حافظتم على وجودي.

 

أهل الإمارات اعتادوا منذ زمن بعيد على الذهاب إلى البر خاصة بعد الازدهار العمراني والاقتصادي، فهم يهربون من الضوضاء والازدحام إلى الهواء الطلق والهدوء، ويخلعون لباس الحضارة ويلبسون ثياب البداوة، ولو لساعات خلال العطلات الأسبوعية والإجازات الرسمية، فشوقهم لا يوصف إلى البر ومتعتهم لا تقدر بثمن إذا قورنت بالأمور الأخرى، وقد عرفت أقواماً يبقون بالشهرين وأكثر لا يعودون إلى المدينة إلا لقضاء حوائجهم ثم يعودون إلى مخيمهم الهادئ.

 

ينقسم الناس في البر إلى أنواع:

الأول: قومٌ قدموا إلى البر وهو نظيف جميل ثم تركوه بعد مدةٍ كما كان عليه أول مجيئهم، نظيفاً معافى من مخلفاتهم، فهؤلاء يعكسون مستواهم الحضاري والأخلاقي.

الثاني: قوم أتوا إلى مكان في البر فوجدوه ملائماً لهم وقاموا بتنظيفه من مخلفات سابقة، ثم انصرفوا عنه بأفضل مما كان عليه. فهؤلاء أكرم أخلاقاً وأعلى منزلة.

الثالث: قوم أتوا على مكان في البر نظيف جميل وتركوه بائساً قبيحاً من مخلفاتهم، فهؤلاء يعكسون ما هم عليه من أخلاق وآداب معادية للبيئة والنظافة، وخُلق الإسلام.

الرابع: قوم قدموا إلى مكان غير نظيف بفعل النوع الثالث فزادوه رهقاً وحزناً وغماً، وهؤلاء شر الأنواع الأربعة ولو لديَّ قدره لأمرت بتحويل النوع الثالث والرابع إلى القضاء بتهمة تخريب البيئة العامة، ولطالبت بعقابهم، وأن تكون العقوبة البقاء في البر لتنظيف جزء منه جزاءً لأفعالهم الشنيعة.

 

وفي الختام، لا يسعني إلا أن أشكر سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان على هذه المبادرة الحضارية والتي أتشرف أنا وأبنائي أن نكون من المشاركين فيها يوم 20 يناير إن شاء الله تعالى.