تجارة التعليم من أهم التجارات في العالم هذه الأيام بل تدرّ أموالاً على أصحابها بما لا يتخيله عقل من التدريس المباشر حتى ثمن الطباشير القديمة البالية، ولو جلس أحد الاقتصاديين وقام بحسبةٍ سريعةٍ لهذه السوق في دولة الإمارات العربية وحدها، سيصاب بالحيرة والعجب، فهي سوق لا تقلُّ أهميةً عن سوق مواد البناء في زمن الازدهار العمراني مثلاً، ولكن المتفكر قليل والحاسب أقل منهم، وقد اكتفى أغلب الناس بالمثال القديم: «أنفق ما في الجيب وسيأتيك ما في الغيب»، فجميع الحكومات تضخ ما لا يحصى من الميزانيات لدعم هذه الصناعة التعليمية، والشعوب تنفق ما وراءها وأمامها من ذخيرةٍ في هذه السوق الكبيرة، طمعاً في النتائج المرجوة من تعليم أبنائهم ووصولهم إلى أعلى المراكز العلمية، وإن لم يحصل لهم ما أرادوه، ولكنها الجزرة التي أمام الحصان ليجر العربة، فليس من هذا الأمر بدٌّ والأمر أعقد من شرحه في هذه العجالة.

المدارس الخاصة يجب أن تلغى

قد يفهم أحدٌ من عنواني هذا أني أطالب بإلغاء المدارس الخاصة، وهذا لا يعقل طبعاً، إنما هو عنوان اخترته لتعلموا أن المدارس الخاصة في العالم المتحضر لا توجد إلا لذوي الاحتياجات الخاصة ولأصحاب اللغات المختلفة عن البلد نفسه، أما المواطنون في هذه الدول فلا يصح في أذهانهم التعليم إلا في مدراسهم الحكومية، وليس الأمر كما نراه في دولتنا الحبيبية، حيث يتسابق التجار والموظفون في إدخال أبنائهم وبناتهم (ما يُسمى) أرقى المدارس الخاصة، التي يدفعون لها سنوياً لطالبٍ في الروضة ما يساوي في بعض الدول كلفة دراسة 3 سنوات لطالب دكتوراة!! وما هي النتيجة التي سيخرج منها الطالب من هذه المدارس ذات الـ5 نجوم؟

لا شيء بالتجربة والبراهين، حقاً لا شيء أيها السادة، ما عدا قليلٍ من لغةٍ أجنبية وشيء من معارف قليلةٍ الله عليمٌ بها. سيقول قائل كيف يمكن إلغاء المدارس الخاصة؟

والجواب: سيكون من السهل علينا أن تلغى المدارس الخاصة وتتلاشى إلى الأبد إذا قمنا بإلزام المسؤولين في وزارة التربية والتعليم بإدخال أبنائهم وبناتهم المدارس الوزارية، وبهذا سيجتهد المسؤولون في رفع مستوى التعليم فيها بشيمه أو بقيمه كما نقول في أمثالنا المحلية، وإذا ارتقت مدراسنا سوف تكون المدارس الخاصة في حيص بيص، لا تدري ما تصنع، أتخفض أسعارها الخيالية أم تغلق أبوابها أم تنافس الحكومة، ولن تستطيع أن تفعل، فأبناء المسؤولين فيها وهم كمثل باقي الخلق حريصون على أبنائهم الطلبة!

هذا اقتراح من إحدى الأخوات، حيث قالت لي: لن يصلح حال التعليم إلا إذا ألزمنا المسؤولين في وزارة التربية والتعليم بإدخال فلذات أكبادهم مدراسهم التي يشرفون عليها.

فاقد الشيء لا يعطيه

لا أشكُّ في قدرات أبناء الوطن المخلصين في تجاوز محنة المدراس الحكومية والخاصة، ولا مانع من جني التجار الأرباح من التجارات التعليمية، بل أحثهم عليها وعلى الوصول إلى العالمية، فالمنافسة الشريفة تبقى شريفة، ولكني أتأسف على حال التعليم الذي نستطيع أن نصل به إلى درجة الكمال ولم نصل حتى الآن، وكل العناصر متوافرة، لكنها مشتتة وطاقاتها مهدرة كالوقت والمال، ولو ركزنا في ترغيب الطالب وتثقيف المعلم وترقية أساليب الإدارة، وإشراك الأهالي في المنظومة التعليمية والانتظار لفترات طويلة حتى نرى النتائج للخطط التعليمية الكبرى، فسوف ننجح لا محالة، وأذكركم بقول المتنبي:

ولم أرَ في عيوبِ الناسِ عيباً

                       كنقص القادرينَ على التمامِ