تعلّم اللغات من الأمور التي تزيد من عقل الإنسان فكلما تعلمتَ لغةً زاد عقلك طابقاً أو قل زدتَ إلى بيتك وأملاكك بيتاً آخر أو قل قصراً تحيطُ به البساتين وتزينه الأزهار، وهذا ما تشاهده عند المثقف الذي تعددت لغاته فإنه بحقٍّ يكون موسوعة متنقلة بين رياض هذه اللغة وتلك فلا تملّه الأذن ولا تكرهه النفوس، فمنْ كلّ بستان يقطف لك وردةً وهو بعكس الشخص ذي اللغة الواحدة بل ذي الأفق الضيق الذي لا ينفكّ عنه فكأنك إذا واجاهته تواجه نفقاً ضيقا يخنقك بثقله وسوء حديثه أبعدنا الله عنه.

 

قرأتُ وأنا صغيرٌ أثراً مروياً عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد علمت بعد ذلك أنه أثر مشكوكٌ في إسناده يقول فيه من تعلم الفارسية خبَّ أي تعلم المكر والخديعة ولهذا نشأت على الابتعاد عن هذه اللغة وبقيت في نفسي هذه الرواية ولم أكن أفهم معناها، فلما كبرت حدثتني النفس قائلةً لقد ضيعت فرصة سانحة في تعلم هذه اللغة القديمة وماذا يضيرك تعلمها وهي لغة من لغات المسلمين التي تتكون منها اللغات التركية والأوردية واللاهورية والأفغانية وغيرها وهذا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول بعد وضعه يده على سلمان الفارسي لو كان الإيمان في الثريا لناله رجال من هؤلاء .

ولا أخفيكم أني نادم أشدّ الندم على تركي وإهمالي تعلم هذه الفارسية طيلة الزمن الماضي وقد فاتني كثير من الآداب والتاريخ والالتقاء الحضاري مع هذه الحضارة العريقة فيما قبل الإسلام وبعده .

 

التقيت في لندن قبل عدة أسابيع عالماً تركياً متبحراً في الآثار الإسلامية وخاصة الحضارة الإسلامية الفارسية وقد أبهرني ما سمعته منه، حيث إنه بقي في فارس لعدة سنوات ودرس علومها وتتبع آثارها وتخصص في الفترة المغولية وله عدة مؤلفات مميزة وفريدة من نوعها في هذه الفترة حتى إني عرضت عليها أن نقوم بترجمتها إلى العربية لإثراء المكتبة العربية حول هذه الحقيقة التاريخية المهمة وقد حسدته على هذه المعرفة البالغة التي نحتاج إليها بل نحن أكثر الناس في هذه البلاد المخالطة للدولة الفارسية حاجة لفهمها وتعلمها فقد وجدت كثيراً من أهل فارس يعرف العربية ولكنّ قليلًا منا من يعرف لغتهم أو على الأقل يستطيع أن يفهمها.

 

في الدول التي تتقاطع فيها الحدود فتختلف اللغات فيها تجد أنّ أهلها يتعلمون عدة لغات في مدارسهم فمثلًا في بلجيكا يتكلمون الهولندية والفرنسية والألمانية وهم يتعلمونها بشكل جيد ويبرعون في لغاتهم الأم ونحن في هذه الدولة الحبيبة يعيش بيننا كثير من أهل فارس وهم يجاوروننا في الحدود منذ قديم الزمان ولهم ثقافات متنوعة فارسية وتركية وعربية ومغولية وكردية وبلوشية فما هو الخطأ في تعلم هذه اللغة من باب فهم الآخر والتواصل الحضاري وقد منّ الله علينا وعليهم بالإسلام وقد ساهموا في رفعة هذا الدين الحنيف كما ساهم إخوانهم العرب ولو كان الأمر بيدي لأمرت بتعليم الفارسية والتركية لأنهما من أهم اللغات بعد الإنجليزية والفرنسية بل قد تكون الفارسية أهم من الفرنسية لأنها لغة أكبر دولة جارة لنا، ولا أقول هنا ما يتناقله الرواة : من تعلم لغة قوم أمن مكرهم بل أقول إنّ من تعلم لغة قوم تواصل معهم وعرف حضارتهم وكان أقرب إليهم وزاد من ثقافته وأُفقه الفكرية والعلمية والاجتماعية.