كلما زادت التقنيات الحديثة تطوراً في العالم الافتراضي اقتربت المجتمعات المتفرقة المتضادة في الأفكار والمعتقادت والبعيدة جداً في الجنس واللون واللغة، وكأنها أصبحت تعيش في قريةٍ صغيرةٍ لا تسع في حقيقتها إلا عدداً محدوداً من الأفراد ولكنها بفضل هذا التقدم العلمي الهائل استطاعت أن تسع مليارات الأفراد من كل مكان وفي نفس اللحظة في عالمها الخيالي، ولو أراد مفكرٌ فهم ما يجري أو إدراكه فلن يستطيع إدراكه ولا حتى من اخترع هذه التقنيات فقد خرجت حقاً عن السيطرة والفهم!!.

 

الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى هو صاحب المعلقة المشهورة التي أعدّها من أجمل المعلقات وأقربها إلى نفسي التي تميل إلى الحكمة وزرع المحبة بين الناس والحثّ على الوحدة، ولمّ شمل المتخاصمين ومدح أهل المال والرأي عندما تداركوا قبيلتين عظيمتين من أصرح قبائل العرب قبل أن يتفانوا بسبب الحروب الطاحنة فيما بينهما لأسباب تافهةٍ وقد ضمنها هذا البيت الجميل الحكيم :

 

ومهما تكنْ عند امرئٍ منْ خليقةٍ

                               ولو خالها تخفى على النّاسِ تُعلمِ

ومعنى البيت صحيحٌ ومشاهد فمن كان ذا طبيعة يحاول أن يخفيها عن الناس فلا بدّ أن تظهر، ولو جاهد كلَّ الجهد لإخفائها لأنّ الطبع يغلب التطبّع، وزهير عندما أنشد هذه الخالدة لم يعلم بأنه سيخترع العلم بعده بألف وخمسمائة سنة أجهزة الحاسب الآلي وسيشيع الإنترنت بين الناس ويصبح هناك ما يسمى "الشيبهْ جوجل" تسأله عما تشاء فيجيبك في لحظة عين، وأيضاً يتمكن من الجلوس كلّ الوقت مئات الملايين من البشر في مقهى واحدٍ يدعى مقهى الأخ "تويتر" في هذه القرية الصغيرة جداً حيث يتعارف الناس وتكشف حالاتهم الفكرية والخلقية وثقافتهم العالية والسقيمة حتى صاروا كأنهم كتاب مفتوحٌ لكل قارئ ولو علم زهير ما سيحدث بعده أو خرج علينا اليوم لكنت راهنت أنه سيغير البيت ويقول :

 

ومهما تكنْ عندَ المغرّدِ خصلةٌ

                                وإنْ ظـنّ تخفى "بالتويترِ" تُعلمِ

 

وعذراً أبا كعب في تغيير البيت ولكنها الحقيقة لقد كشفنا الخلق وكشفونا فلا نستطيع بعد اليوم إخفاء الحقائق شئنا أم أبينا .

 

تكلمت أمس الأخت الأستاذة منى المري في حسابها الخاص في تويتر عن هذا الموضوع وأوصت أولياء الأمور بالدخول إلى الحسابات التويترية للشباب للمتقدمين لبناتهم وفلذات أكبادهم قبل الموافقة على الزواج أو رفضه لأنه بقراءات تغريداتهم سوف تعرف أفكارهم وتوجهاتهم وأخلاقهم وبهذا يضمن عمّ المستقبل مستقبلَ ابنته مع الشخص المناسب لها، وفور قراءتي لتغريدتها هذه أرسلت لجميع من معي أن يشاركوني الرأي: هل يستطيع مقهى تويتر كشف حقائق الناس؟ وقد تلقيت كثيراً من الأجوبة مجموعها صحيح مع فارق العمر والتجربة وقد أوجزتها في الآتي:

"لا يستطيع تويتر الكشف عن طبائع الناس وأخلاقهم، ولكنه يستطيع أن يعطي انطباعاً سلبياً أو إيجابياً عن أفكارهم وتوجهاتهم" ، ولهذا أنا أؤيد الأخت منى في طرحها هذا ولكن ليس للحكم المطلق، كما قلتُ، وإنما للتعرف أكثر على الإنسان الغامض لأنه في العالم الخيالي ينطلق الغامضون بكل حرية واطمئنان وهنا نستطيع متابعتهم ومعرفتهم بشكل أكبر وأحكم ، فيا عزيزي المتقدم للزواج: إذا رأيت عمَّ المستقبل يقرأ في جهازه الآي فون فاعلم أنه أخذ بنصيحتها وهو يقرأ الآن تغريداتك فانتبه لكل ما تكتبه !. .

 

 

 

twitter:@jamalbnhuwaireb