يتفجر الحنان من أصحاب القلوب القاسية كلما نظروا إلى وجه «مروج»، وعرفوا حالتها، وتتيسر أقسى الأمور وأصعبها، بمجرد أن تضع يدها الصغيرة عليها، فبقدرة قادر يسخر لها كل ما تريد، ويفتح لها على رغمٍ؛ كل بابٍ مغلقٍ في برجٍ مشيّدٍ، عليه حراساتٌ مشددةٌ، لقد سخر الله لها كل شيء يمكن أن يوجد على الأرض، إلا الشفاء التام، وذلك لحكمةٍ لا يعلمها بشر. مكثت الصغيرة في مستشفى هداسا عين كارم في القدس 10 سنوات متتابعات، كانت فيه الصغيرة لا تعي كثيراً مما يدور حولها، ولكنها تأخذ الأدوية وتخضع لعمليةٍ تلو الأخرى، محاطةٍ بالعناية الربانية والرعاية الصحية من أفضل الأطباء اليهود، وكان هناك طبيب عربي يعمل في المستشفى، يقوم متبرعاً بالترجمة طيلة هذه السنوات الحزينة الصعبة على الأسرة الصابرة.

 ياسر عرفات يتكفل بعلاج «مروج»

تغيرت الأوضاع الأمنية في فلسطين، وصار التنقل السهل القديم من المستحيلات، بسبب الانتفاضة والعمليات المسلحة، مما حرم «مروج» الذهاب إلى المستشفى الإسرائيلي، وأرغم والديها أن يبقيانها سنة ونصفاً في نابلس، مكتفين بمراجعة المستشفى الوطني، الذي لم يكن مهيئاً لمثل هذه الحالات المستعصية، وكان من الضروري أن تعالج الصغيرة في عياداتٍ صغيرات، كانت تكلف عائلتها مبالغ طائلة، وقد تقدما بطلبات للمساعدة من الجمعيات العربية العاملة هناك، ولكن لا حياة لمن تنادي، إلى أن قامت العائلة بإرسال رسالة إلى المرحوم ياسر عرفات، عن طريق زوجته سهى، فأمر فوراً بكفالة علاجها مدى الحياة، وتم تحويلها إلى أفضل مستشفى في إسرائيل متخصص لطب الأطفال، يدعى «شنايدر»، وقد خصصت لها غرفة خاصة، تتابع حالتها طبيبة متخصصة من أصل أسترالي، وأخرى من أصل عراقي، كانتا قمة في التعامل الإنساني، حتى يوم السبت كانت تأتي الأسترالية الأصل خصيصاً لتطمئنّ على صحة «مروج»، وتعود إلى بيتها.

 تفجير سوق الخضار

أثناء وجودها في المستشفى تمت عملية تفجير سوق الخضار في إسرائيل، وقد تسبب في قتلى وجرحى، من بينهم إمرأة قتلت مباشرة في الانفجار، وأصيبت ابنتها الصغيرة بجروحٍ خطيرةٍ، وقد أتى بها القدر لتكون قرب غرفة «مروج»، مما جعل العائلة تشعر بخوفٍ شديدٍ، لأنه قد ينتقم أهل هذه الجريحة من الصغيرة، لأنها الفلسطينية الوحيدة في المكان، ولكن إدارة المستشفى حالت دون ذلك، وحرصوا على المحافظة عليها.

 السفر إلى هنوفر بألمانيا

بقيت «مروج» 5 سنوات في مستشفى شنايدر، محفوفة بكل عناية، ولكن حالة رئتها بدأت بالتدهور التدريجي، مما يستوجب زراعة لرئتها بعد ذلك، وفي أثناء وجودها تفاجأ المستشفى بانقطاع التحويلات المالية من وزراة الصحة الفلسطينية، بسبب خطأ غير مقصود، فقامت طبيبة «مروج» الأسترالية مباشرة بالاتصال بسهى عرفات، وأخبرتها بالموضوع، فأمر عرفات بإرسال ضمان بنكي في اليوم التالي، رحمه الله. ومن العجائب ما ذكره لي والدها أنه في رمضان، وكانت الصغيرة تخضع لعملية، جاءت ممرضة يهودية، وقالت: «قد جهزنا فطوركما، لأن المغرب قد أذن الآن!».

وفي مستشفى هداسا، تطوعت طبيبة يهودية تعمل في المختبر بالتواصل مع مستشفى متخصصٍ في فحص الجينات في هنوفر، وأخبرتهم بحالة «مروج»، وقد رحبوا بها، فسافرت العائلة سنة 2001 وبقوا في ألمانيا شهراً، تم فيه دراسة حالة الصغيرة، وخضعت لفحوصات كثيرةٍ، ثم عادت العائلة مرة أخرى إلى المستشفى الإسرائلي «شنايدر».

وللقصة تتمة.. تابعوها غداً إن شاء الله.

 twitter:@jamalbnhuwaireb