*تحدث في الدنيا أحداثٌ كثيرة لا يعلم بها إلا رب العالمين، وتخلّف هذه الأحداث قصصاً لا يمكن حصرها في هذه اللحظة التي أكتب فيها هذه الكلمات، فما بالك بملايين السنين الماضية، وما سيأتي من الأيام، وعلمها عند ربي في كتاب، لا يضلّ ربي ولا ينسى. ولكلّ حدث محدثٌ وعلى مستواه يكون الإخبار والتأريخُ، فما كلُّ ما يتحرك يُخبر عنه، وإنما ما تحرك وخلف أثراً كبيراً لا يمكن أن يتجاهل، ولو أريد له التجاهل والغفلة، لأنها أحداث خاصة وقصص خالدة، كُتب لها الخلود في صحف الأيام ما بقيت الدنيا، كقصة البنت الصغيرة الجميلة مروج عماد العنبوسي، التي قدر الله عليها بأن تكون أندر حالة في العالم كله، وأغرب قصةٍ سمعتها في حياتي.
* عائلة العنبوسي من العائلات المعروفة في نابلس بفلسطين، تعود جذورهم التاريخية إلى تركيا، ومنها انتقلوا إلى الشام، وتفرعت أسرهم حتى استقرت جماعات منهم في قضاء نابلس، وقد نشأ عماد في هذه الأسرة الكريمة، وهو عصاميٌّ أسس له مصنعاً للألمنيوم يعيش منه، وقد اختار بنت خالته زوجةً له، لتميزها وحبه لها، وكانت لا تزال في المدرسة آنذاك. بدأت حياتهما كما تبدأ أي حياة في الدنيا، ومن حرصه على العلم طلب من زوجته متابعة دراستها، حتى أكملت الثانوية بتفوق، وفي هذه الأثناء رزقهما الله بطفلتهما الأولى سنة 1987م، وقد اختار لها جدها اسماً غريباً نوعاً ما، إذ سماها «مروج»، وهي حقا كانت مروجاً لعائلتها، على رغم كل القصص الدرامية المبكية التي مرت بها.
* ولدت «مروج» مع عيبٍ خلقي، وهو التواء في الأمعاء يمنعها من القدرة على إخراج الفضلات من جسدها الصغير، فطلب طبيبها فوزي، وهو من رام الله، أن تبقى في المستشفى حتى يقوم بإجراء عملية لها لإعادة الأمعاء إلى وضعها الطبيعي، فبقيت في الحاضنة الخاصة تسعة أشهر، كأنها حُمل بها من جديد، وقال الطبيب لوالديها، وهو طبيب جراح مشهور بطب الأطفال: إن «مروج» تعاني من أعراض مرضٍ نادرٍ وخطيرٍ، ليس له علاج، يسمى «سي إس».
وقال فيما قال: إنها ستتعبك كثيراً، مما أدخل الوالدين في حيرةٍ وصدمةٍ كبيرةٍ، ولكنهما رضيا بقضاء الله وقدره، وتابعا علاج الصغيرة، وبسبب قلة خبرة المستشفيات الفلسطينية، وعدم وجود الأجهزة المناسبة لحالة «مروج» طلب منهما الطبيب فوزي أن يذهبا إلى إسرائيل لعمل الفحوصات، وأخذ العلاج المناسب، وفي تلك السنين لم تكن هناك عراقيل كما نراها اليوم، وكانت المستشفيات الإسرائلية تعالج الحالات المستعصية للفلسطينين مجاناً، بغية لزيادة الدراسات العلمية، وكذلك لترقيق قلوب أهل البلاد الأصليين.
* دخلت «مروج» مستشفى هداسا عين كارم في القدس، وهو مستشفى مجهز بأفضل المعدات والأطباء الخبراء الإسرائيليين، وكما يعلم الجميع أن الطب عند اليهود متقدم جداً على جميع الصعد، بسبب وفرة المادة والعقول وكثرة الحاجة إليها، بسبب الصراع الدائر بينها وبين جيرانها. بقيت الصغيرة قرابة 10 سنوات تتعالج على حساب الدولة العبرية، وكان والداها يتناوبان المبيت عندها، حصة كل منهما 15 يوماً، وذكر لي والدها أنّ اليهود الأطباء والطاقم الإداري كانوا يحرصون على ملاطفتي وملاطفة «مروج» بكل الأشكال، كأن هذه البنت تجعل المستحيل حقيقة، وتفجر من القلوب الحجرية أنهاراً من العاطفة والحنان.
وللقصة بقية تابعوها غداً.
twitter:@jamalbnhuwaireb