بعض القصص التي شاهدتُ أحداثها بنفسي أو سمعتها من الآخرين المفرحةِ منها أو المحزنة قد تكون دافعاً لكثير منّا على تغيير حاله أو وجهة مساره، وقد تمر على أقوامٍ مرور الأحلام المتكررة في المنام فلن تغير واقعاً ولن تحل مشكلة حتى تتراكم المصائب على رؤوس أصحابها فيريدون بعد ذلك وبعد فوات الأوان أن يجدوا من يعينهم فلا يجدون من يعين ولا حتى من يستمع إليهم بل يحتاجون إلى معجزةٍ سماويةٍ لتنقذهم.

أعرف رجلاً وسيماً كريم المعشر كنت وأنا صغير أحبُّ أن ألتقي به وأستمع إلى حديثه، فقد كان يأسرني جداً أسلوبه وهدؤه بل يبقى في فكري إذا ذهبت عنه فهو رجل ناجحٌ، عمل بجدٍّ حتى كوّن له شركة تدرُّ عليه الأرباح وبنى بيتاً جميلا له ولأسرته الصغيرة وكان محلَّ احترام الجميع حتى مرّت الأيام وقد شغلتُ عنه بأمور الحياة ولم ألتق به منذ فترة بعيدة فالتقيت به في احد المجالس ورأيته شاحب اللون حزينا وقد بدت آثار الحزن عليه حتى لخّ غرب عينيه (زاد ماء عينيه) ورأيته مشغول الذهن بعيداً عن كلِّ من حوله، فسألته: ما بالك وكيف حال تجارتك؟

 فقال: إني بخير حالٍ وقد دخلتُ في شراكةٍ أوروبيةٍ وسوف أجني من هذه الشراكة كثيراً من الفوائد، فتركته مع نصيحةٍ له بالحذر وأخذ الحيطة، متمنياً له كل التوفيق مع أني في شكٍّ من ذلك فخبرته في التجارة لا أظنها تصلح لهذه الشراكة وقد خشيت عليه أن يقع في فخٍّ ليس له منه نجاة! وحصل ما خشيت منه فقد لقيته بعد سنوات وهو لا يملك شيئا قد فقد الأول والتالي كما نقول، بل صار يتكفف الناس يسألهم مساعدتهم مما عصر قلبي حزنا عليه وأنا لا أملك له نفعاً فديونه تفوق قدرتي وقدرة أصحابه فليته بقي ذلك التاجر الصغير الذي تدر عليه شركته ما يكفيه من أرباحها وليته أخذ بالحزم ولم يورط نفسه فضاع هو وضاعت تجارته وأسرته والله يعينه ويهوّن عليه محنته.

امرأة نالت نصيباً وافراً من العلم والخبرة في العمل جمعتهما من اجتهاد طيلة عقد من الزمان وقد بذلت جهوداً مضنيةً حتى كوّنت بيتها الهانئ مع زوجها بالتعاون وقد اضطرتهما الحاجة ليقدما على طلب قروض لإكمال بيتهما ولهما ذرية طيبة وكانا يعيشان في هدوء ماليٍّ وأُسريٍّ يحلم به كل من يعرف حالتهما، حتى جاء ذلك اليوم وقد قضى الله بينهما بالفراق وتشتت العائلة وخرجت هذه المرأة صفر اليدين فدخلت في نفقٍ مظلمٍ لا تدري ما تصنعُ، وقد بدأت تنظر إلى الحياة بنظرةٍ سوداءٍ كأنّ الله لم يخلق فرحاً ولا نوراً في الدنيا ولكنّ الله أراد لها الخير لأنها من أهل الخير فنظرت فإذا بنورٍ هناك في هذا النفق الذي لا يؤدي إلا إلى هلاكٍ محتمٍ فألقت بعواطفها جانباً واستشارت أهل الرأي من أهلها وأصدقائها وأخذت بنصائحهم وقامت بتطوير مهاراتها الذاتية فدخلت دوراتٍ كثيرة وعملت ليل نهار حتى بلغت مبلغاً هدأت بها روحها واطمأنت بما حققته من مكانةٍ وحالةٍ ماديةٍ وراحةٍ نفسيةٍ ولم تقطع أبناءها عن والدهم بل تشاوره في كل ما ينفعهم ولم تفعل كما تفعل كثير من المطلقات، أسأل الله أن يتم عليها نعمته، فهــــــل تعرفــــون ما النــــور الذي رأتـــه في النفق؟ هو الثقة بالله والتفاؤل.

 twitter:@jamalbnhuwaireb