الدين والغرم من أشدِّ الأمور التي تؤرق النفوس، التي جبلت على الراحة والطمأنينة، بل هي من أصعب المصائب التي يلتظي بنارها من تعوّد على الغنى وقد تسربل بإزاره لفترةٍ طويلةٍ، أما النفوس التي ألفت شظف الزمان واخشوشنت في معيشتها ولم تعرف ترف الأغنياء وملذاتهم ولم يأت يوما في حسبانها كم لديها من ملايين بل مليارات في حساباتها البنكية، وقد تعودت على الديون فهي كما قال الأول:

 

لا يألفُ الدرهمُ المضروبُ صرّتنا

لكنْ يمرُّ عليها وهْـوَ منطـلقُ

 

فكلما سددت ديناً عادت فأخذتْ غيره، ولربما أخذت دينا جديداً قبل تسديد ديونٍ أخرى مستحقة عليها، فهي لا تعرف في التدبير قبيلاً من دبيرٍ وليس لها همة في تغيير حياتها فهي كما قلتُ آنفا ألفت نكد المعيشة ولا تريد سواه.

 

لا يفهمنّ أحدٌ أنّ الدنيا ليس فيها غير صنفين من الناس، هذه الطبقة الغنية المترفة التي تعثرت بها دابة الحياة فسقطت عن ظهرها وقد تعود سريعا أو بعد لأيٍّ (مدة) لتأخذ مكانها من جديد، وقد لا تعود وتلك الطبقة الفقيرة التي كسر فقرات ظهرها الفقر والبؤس، ولكن هناك فئة عاملة من الناس أخذت بأسلوب الحزم في حياتها، سواء أكانت غنية أم دون ذلك ولم تجازف أو تقامر فيما منّ الله به عليها، وعرفت حق الله فأدته وعرفت حق الناس فلم تضيعه وقامت بواجبها على أكمل وجه، فهم من الإحسان إلى الإحسان ومن الله وإليه، وقد بذلوا جهدهم في أعمالهم صغيرة أم كبيرة فصانوه حق الصيانة، وكذلك الأجير الموظف منهم عمل في صبر واجتهاد وأدى حق الله وحق رؤسائه، ولم يفرط في أمانته وبذل قصارى جهده في إكمال عمله حسب طاقته وعلمه ولكن..

 

قد يصاب الإنسان منهم بعارضٍ يلمّ به والإنسان محلّ هذه العوارض، وليس هناك من حصنٍ ليقيه منها ما دام أنفه يشمُّ الهواء فهو لم يفرط في قصده وهواه، ولكنها الأقدار والنصيب لا يستطيع تجاوزها ولا محالة أنه سيراها بعينه فماذا يفعل؟ هل يذهب ليسرق وينهب الناس؟ أم يذهب ويطلب من يعينه ويعطيه ديناً حتى يتمكن من إكمال مسيرة حياته؟ والجواب هو الثاني قطعاً، فإذا لم يكن غير الدين والغرم وليس هناك من طريق غير البنوك وهنا أساس المشاكل التي تصيب المجتمعات بالوهن وتؤرق حياة هؤلاء الضعفاء.

 

من فضل الله ثم من حرص حكومتنا الرشيدة تم تأسيس صندوق إعانة أصحاب الديون من ذوي الدخل المحدود، والتي تشكلت مؤخراً برئاسة سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، وهي مبادرة عظيمة ستساهم في حل كثير من مشاكل المجتمع وأقترح الآتي:

- استمرار الصندوق ولا يكون لمرة واحدة.

- اتخاذ تدابير صارمة في اختيار الفئة التي سيشملها القرار.

- تجنب الفئة التي ذكرتها التي لا تبالي بأخذ الديون حتى يتم إدخالها في دورة تأهيلية.

- تعيين خبراء استشاريين في مجال المال لتدريب كل من يتم الموافقة على مساعدته لكي لا يقع في مشكلة الديون مرة أخرى.

- مراقبة المستفيد من المساعدة من خلال المصرف المركزي.

- إيجاد وظائف للعاطلين عن العمل منهم ومساعدة صغار التجار المتعثرين، من خلال التوجيه وإدخالهم ضمن مشتريات الحكومة.

- حملة إعلامية كبرى قبل بدء تنفيذ المساعدات.

هذه هي أفكاري فما رأيكم أنتم أيها الأعزاء؟