قد يكون الحديث عن تغيير العالم من حالة الفوضى إلى النظام، ومن بنيان القواعد العسكرية إلى بنيان السلام العالمي الخالي من أسلحة الدمار الشامل ضرباً من الخيال، أو قل فناً من فنون الجنون الذي لا يتصوره أهل الحرب والآلات العسكرية الجبارة، ولم يمر في خلد متآمر مقامر بالسلام، بل لم يسمع به تاجر السلاح الذي يسعى جاهداً لبيع أسلحته الحديثة الفتّاكة بكل ما هو مكون من لحم أو حجر، فلا تُبقي ولا تذر، تجعل المدن قاعاً صفصفاً، وهو هذا الجشع المغرور لا يبالي أوقعت أسلحته في يد أهل الحلم والحكمة والعقل، أم أهل البطش والطيش والمغامرة الملاعين، فهمّه الأول والأخير هو كم سيجني من جماجم هؤلاء المساكين الضعفاء !
لأجل هؤلاء الضعفاء وفي سبيل ترسيخ الحريات العامة في شتى مجالات الحياة التي لا تتعدى على حقوق الآخرين نحلم كلنا من أجل مجتمعٍ دوليٍّ متراحمٍ متعاونٍ يحب الآخر، ويستطيع فهم فكرته ورأيه براحبة صدرٍ، ويمكنه مناقشتها بدون تشويهٍ ولا تجريحٍ، هذا المجتمع المنشود قد يكون اليوم في مخيلتنا وبين صفحات أحلامنا ولكنه ليس ببعيد عنا إذا أسهمنا في بنائه لبنةً لبنةً، وجعلناه أسلوباً لحياتنا الذي نورثه إلى الأجيال القادمة، وإن لم نتمكن من تحقيقه نحنُ فسوف يتمكن من تنفيذه الجيل القادم إذا بدأنا في تفعيله وابتعدنا عن النظريات المشوهة وتركنا باب التسويف مغلقاً ورياح أعداء السلام خلف ظهورنا تساعدنا على تجواز العقبات، ولا نجعلها أمامنا كما يفعل الكثيرون، وتنتهي بهم الأيام إلى فشل مخزٍ، وليس مثل التأني والعمل المتواصل يجعل النجاح حليفاً والتوفيق قائداً، وكما قال الأول:
قدْ يدركُ المتأني بعضَ حاجتهِ
وقد يكون معَ المستعجلِ الزللُ
من أصحاب هذه الأحلام الخلاقة رجل من اليابان نذر نفسه لجعل أحلامه حقيقةً، فهو مؤلف وشاعر ورئيس منظماتٍ وناشط داعية للسلام منذ عقودٍ، وقد توّجت مساهاماته بجوائز دولية، منها جائزة الأمم المتحدة للسلام، ومن العجيب أنه نال 300 شهادة أكاديمية فخرية، وهذا رقم لا أظن أنّ أحداً من العالمين حصل عليه، هذا هو الدكتور دايساكو إكيدا، ومن يقرأ كتابه المسمى «في يديك تغيير العالم» يجبره أن يقترب من شخصيته ويحب أن يلتقي به، لأنه حقا عاشقٌ للسلام، مناضلٌ من أجله، وله فكر ثاقب وكلام ساحر لمن تعمق في كتابه هذا الجميل.
يؤكد المؤلف إكيدا أنّ الثورة الداخلية للإنسان هي مفتاح السلام والسعادة الدائمة، فيقول: «ثورة الإنسان العظيمة في حياة فرد واحد يمكن أن تحول قدر المجتمع بالكامل، وتستطيع أن تجعل التغير في قدر البشرية ممكناً»، ثم قال عن موضوع الحرب: «الحرب سببها الناس، لذا الأمر يعود للناس أنفسهم، سواء كنا سنخلق عالم السلام أم لا، هذا هو التحدي، بل هو المهمة التي أوكّل بها كل فرد يعيش في هذا العصر».
المتتبع لكتاب إكيدا سيجد روح السلام وسبله وطريقة القضاء على ما يعاديها ويخالفها، فهو بدأ بشجاعة اللا عنف ثم تكلم عن بنيان جسر بين الحضارات، ثم انطلق لرؤية مختلفة للأشياء من حولنا، ثم رحل إلى دعوة ملحة لوقف القتل، ثم يعرج إلى الدين وأنه موجود من أجل السلام، ثم يختم كتابه بأن القلوب لا تزال مغلقة تجاه العالم.. وللحديث بقية.
twitter:@jamalbnhuwaireb