عندما كنا في صغرنا لم تلامس أسماعنا الألقاب الإعلامية الرنانة، التي تُطلق اليوم في الصحف والتلفزيونات العالمية، كمصطلح التطرف والإرهاب، ولم نعقل على شيء غير أن في الدنيا قطبين هما الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأميركية، وكل دول العالم الأخرى بينهما، فبعضهم يوالي المعسكر السوفييتي، فهو في أشد حالٍ وأضعفه مادياً، ولكنه يزداد تسلحاً وبطشاً، وأما المعسكر الآخر فهو يشاهد الأفلام الهوليودية ويأكل الأطباق السريعة من كنتاكي وماكدونالدز.

ويعيش حالة الرخاء المزعوم، الذي يقع تحت مظلة قبعة الكاوبوي (راعي البقر)، وأي دولة أومنظمة أو طائفة أو أسرة تقف موقف العداء لأيٍّ منهما فقد جرّت على نفسها الهلاك المحتم، فهما كالمقصين يقطعان ما يقع بينهما من غير رحمة ولا رأفة.

 

بسبب القوة الجبارة، التي كانتا تشعران بها، فقد قالتا كما قال من قبلهما وقص الله عنهم في الكتاب العزيز : (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ).

سورة فصلت (15)، نعم قالوا من أشد منا قوة فسقطت أشرس القوتين وأبعدها عن الدين والأخلاق بين عشيةٍ وضحاها وكأنها لم تكن، ونهضت الأخرى مزهوةً بانتصارها على عدوها اللدود بعد عقودٍ مما يدعونه بالحرب الباردة، ثم من بعد حرب تحرير الكويت في سنة 1991م وقف المنتصر وأنا أستمع إليه يقول، كما قالت عاد وروسيا قبله: من أشدُّ منا قوة!! وكأنه لم يتعظ بمن سبقه ولم يقبل بالانتصار فقط، ولكنه يريد أن ينافس الخالق العظيم القوي.

 

كان من الطبيعي أن يقع الدبُّ الروسي في نهاية المطاف، لأنه نظام لا يتماشى مع الرأسمالية العالمية التي تستحوذ على عقول الناس، ولا بدّ من سقوطها ذليلة تحت وطأة أقدام النظام العالمي الجديد، الذي سمي بعد ذلك بالعولمة، وقد بشّرت به أميركا وأعوانها كثيراً منذ زمن مبكر، حتى ظن قادة العالم أنّ من لم يتغير منهم فسوف يغير أو تزول دولته من هول الزخم الإعلامي، الذي يطير مع قصة العولمة كسرب جرادٍ تراه من بعيد جبلاً عظيماً.

وإذا اقتربت منه لم تجد غير الجراد الصغير. ولم تستطع أميركا أن تبقى بدون عدو يناصبها العداء ويسهل لها مهمتها القادمة، فوجدت في الإسلام حلاً لمعضلتها، وبدأت بإظهار أعوان الأمس في الجهاد ضد روسيا الشيوعية إلى أشرار إرهابيين يجب القضاء عليهم وسحقهم، قبل أن يدمروا مشروع العولمة وأسس الديمقراطية المزعومة.

 

لعلكم فهمتم مقصدي من هذه المقدمة المختصرة، وهي أن هذه السياسة اللعينة التي وُجدت لمصالح الأمم الكبرى هي التي أوجدت مصطلح المتطرفين والإرهابيين، وجعلت الأفكار المعتدلة، سواء المتدينة منها أو العلمانية، تتجه إلى أقصى اليمين أو اليسار، وصارت الآراء العنيفة والأسلوب الشديد في النقاشات والأفعال وردات الأفعال أقسى بكثير مما كانت عليه.

حتى أمسى كل منهما شاهراً سلاحه ليقتل الآخر وأفكاره ونظرياته من غير مراقبةٍ لإلٍّ ولا رحمةٍ، والذي يزيد الطين بلّةً أن يقوم ذلك الفكر النيّر المنفتح، الذي يناقش الأمور بكل هدوء وعقلانية بالاتجاه إلى التشدد، وإسقاط فكر الآخر، حتى صار الناس في حيرةٍ من أمرههم، فأبواقٌ هنا وأبواقٌ هناك، كل ينادي إلى سلعته ويدّعي أنها الصواب وما عداها فهي في سواء الجحيم.. وللحديث بقية.

 

 

 

twitter:@jamalbnhuwaireb