تقاس الأمم المتقدمة بعدد علمائها وكثرة إنتاجها العلمي ومستوى الإفادة المرجوة من هذه الاستنتاجات العلمية في شتى مناحي الحياة، فلا فائدة ترجّى من علمٍ لن يزيد النماء والرخاء الفكري والمادي، ولن ينظر مجمع الأحياء العاقلة إلى ما ليس مفيداً لها في حاضرها ومستقبلها، ولهذا تقدمت الأمم الأوروبية والأميركية في أول الأمر ثم لحقتهم الأمة اليابانية والكورية والصينية بعد ذلك، وقامت بتمويل مراكز الأبحاث وتشييد أكبر الجامعات والصرف عليها.

وقد أنشأت أكبر المكتبات التي تحوي ملايين الكتب ولم يكن متوقعاً منها ذلك، وقامت كذلك بإرسال أبنائها للعمل في أوروبا لسرقة كل جديد في مجالات العلوم حتى وقفت الأمم المتخلفة سابقاً في صفٍّ واحدٍ مع الأمم التي سبقتها بقرون في التقدم، بل أصبحت تتفوق عليها في بعض التقنيات، وقد قلتُ :

وقالوا بأنَّ الغربَ صــعبٌ لحاقهُ

                         ونحتاجُ مدّاً مِ السـماءِ على مَدِّ

وهذي قرونٌ بيننا قـدْ تصرّمتْ

                           ندبُّ وهمْ نحو التــقدّمِ في شدِّ

نريدُ قروناً مثلـهمْ ومدافعاً

                        تدكُّ حصونَ الجهلِ والذلِّ والوجْدِ

أقولُ لهمْ ما الصينُ أفضلُ منزلاً

                         وسيئولُ واليابانُ والنَّمـر الهندي

ألستمْ ترونَ العلم يبعثُ أمّةً

                          ويُعلي الورى بعدَ المذلةِ والفقدِ

وما جامعاتُ القوم الا معـابدٌ

                           لكلِّ عليمٍ بالمعارفِ كم يهدي

 

وفي هذه الأثناء لا تزال الأمة العربية والإسلامية تغوص في همومها التي لا تنتهي، وحاجة أبنائها للعيش بكرامة أكثر من حاجتهم للحياة، وهو سببٌ حقيقي لما يسمى بالربيع العربي في بعض البلدان العربية، والذي غيّر مفاهيم كثيرةً وانتهت به حقبةٌ من الظلم والقهر.

باتحاد إماراتنا الحبيبة عام 1971 شهدنا ربيعنا العربي وازدهرت البلاد بشكل أذهل العالم، وقد أثمرت جهود حكامنا وحرصهم وتعاون هذا الشعب الطيب واجتهاده وإخلاصه، ظهور دولة الإمارات كدولة عصرية وحديثة تنافس على المراكز الأولى من حيث الرخاء والازدهار العام والتعليم والصحة ولكن.

هل سيبقى وضعنا الحالي كما هو بغير أبحاثٍ ولا تطويرٍ ولا منافسة على التقدم؟ وهل نحتاج أن ننتظر حتى ينضب النفط كي نفكر بإنشاء مكتبات وطنية كبرى تساهم في الانتاج العلمي وتخريج علماء ينفعون العالم من حيث البحوث والاختراعات ؟ الجواب : لا بل يجب علينا أن نؤسس بجدٍ مراكز بحثية ومكتبات علمية بشتى اللغات، تضاهي المكتبات العالمية، فهذي مكتبة الكونغرس فيها ما يعادل 40 مليون كتاب خلا الوثائق والمجلات وغيرها، وقد تصل إلى 150 مليوناً، وفي المكتبة البريطانية 14 مليون كتاب أو أكثر، وملايين الوثائق، وجامعة أكسفورد في مكتباتها 9 ملايين كتاب، فمتى نصل نحن إلى هذا الرقي الأكاديمي العلمي ونحن لا ينقصنا إلا البدء في العمل ؟!

ليس المال عائقاً وقد أنعم الله علينا بالنعم الوفيرة، وإنما نحتاج إلى مكتبات كبرى علمية حول الجامعات ومراكز للأبحاث، التي أحلم أن أراها في بلادنا تساهم في تقدم بلادنا الطيبة، وتساهم أيضا في خدمة المجتمع الإنساني في كل مكان، وإن المال زائل ويبقى العلم شاهداً على الناس وتقدمهم أو تخلفهم .

أتمنى أن يتحقق حلمي هذا وأرى الإمارات يوماً ما مهوى أفئدة العلماء من كل مكان، وينال أحد علمائنا الإماراتيين جائزة نوبل للعلوم. قولوا آمين .

twitter:@jamalbnhuwaireb