ما رأيكم في بناء مدينةٍ جديدةٍ أو قولوا مُدُناً من الجص القديم التراثي يتخللها شوارع ممهدة للسائرين من الحجارة الصغيرة ومن الرمل، وأسواق على بعد ميلين، حيث تذهب لها على أقدامك أو راكبا حماراً أو بعيراً، وليس هناك كهرباء ولا سيارات ولا باصات ولا محطات بترول ولا ضوضاء، بيوت باردة في الصيف ودافئة في الشتاء وإذا طخطخ الظلام أحسست برهبة الهدوء وروعة المكان، فلا ترى ضوءً غير ضوء البدر في تمامه.

 قد أكون ذهبت بعيداً، ولكني أتمنى أن أعيش في هذا المكان لأهرب عن الحياة العصرية السريعة التي نعيشها فإنها كارثة على أصحاب الهدوء من مثلي، حيث لا قيمة للوقت ولا تشعر به من أصله، كأنك في محيط تتلاطم أمواجه ولا تستطيع الخروج منه ولا يسعك إلا السباحة لأنك إن توقفت ستغرق!

 والمصيبة أن شباب اليوم الذين لم تفتح أعينهم إلا عليها، ولم يدركوا حقيقة ما كنا عليه من وضع مادي واجتماعي بل هم يظنون أن دولتنا وجدت هكذا، وأن التقنيات والعمران كان موجودا من قبل فهم لا يهمهم إلا الاستمتاع بأوقاتهم واللعب بأرواحهم باقتناء أسرع السيارات.

وإن لم تكن سريعة قام بتزويدها بمحركات السرعة القاتلة، وإذا كان في الشارع لبس قبعة قائد الطائرة وطار بسيارته يظنها ستحميه إذا وقع له مكروه وستكون حصنه الحصين إذا اصطدم أو صُدم وهي كما يعلم الخلق لا تعدو أن تكون صندوقا من حديد!!.

في الأمس طرح سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان حفظه الله تعالى موضوعا من خلال حسابه الشخصي في تويتر غايةً في الأهمية والخطورة: وهو كيف نوقف نزيف الدماء في الشوارع؟ ففي كل يوم هناك أحباب لنا يتعرضون لهذه الحوادث ومنهم من يكون متسبباً، والآخر مجنياً عليه وبعضهم رحل والآخر حبيس المستشفيات، وقد يخرجون ولكن بعاهات دائمة وكل ذلك عائد إلى الإهمال وزيادة السرعة حفظكم الله جميعا.

 

عرض كثير من المشاركين آراءهم بكل صراحة وفكر راقٍ، مما أثار إعجابي فهم حقا مدركون أصحاب معرفة، وكان أغلب الآراء متفقة على أن الوالدين هما أساس الأمر وعموده فيجب عليهما عدم التهاون في تربية الأبناء، وحثهم على احترام القوانين والتزام السرعات المناسبة في كل شارع والانتباه في الطرقات وعدم الغفلة.

كما يفعل كثير من الشباب فيضع رجله على النافذة، ويجلس يتحدث مع صاحبه وهو لم يربط الحزام ولا من هو معه، وقد يكون في يده اليمنى قطعة من الخبز بالدجاج يأكل منها ثم يقع المحظور وقد يتسبب في هلاك نفسه والآخرين!!

 

تذكرت هنا بيتاً لطرفة بن العبد، وهو يصف ناقته بأبلغ الأوصاف وهو لم ير سيارة فيراري ولا بورشه، ولكنه كان مستمتعا بوجوده في الطبيعة التي لم يلوثها دخان السيارات ولا قطع السيارات المهشمة هنا وهناك فقال:

 

وإنْ شئتُ لم ترقلْ وإن شئت أرقلتْ

مخافة مـلويٍّ مـن الـقدِّ محـصدِ

وإن شئت سامى واسط الكور رأسها

وعامـتْ بضبعيها نجـاء الخـفيددِ

على مثلها أمضي إذا قـال صـاحبي

ألا ليتـني أفـديكَ منـها وأفتـدي

 

نعم ليتنا نبيع كل السيارات ونشتري بها إبلاً كما كنا، ونعيش الطبيعة التي عاشها أجدادنا وطرفة بن العبد..حُلُم لن يتحقق ولكن حافظوا على سلامتكم وأبنائكم.