ركبت الطائرة متجهاً إلى دولةٍ عربيةٍ تربطنا بها كثير من الصلات التاريخية والثقافية عدا الصلات الأخوية والعرقية، فهبطت الطائرة تدريجياً إلى مطارها الدولي ويعجبني رؤية أية مدينةٍ أثناء الهبوط .

حيث يطير بي الخيال إلى دورهم ومساجدهم وكنائسهم ومدارسهم وغير ذلك وأفكر كيف هم؟ وما صنع بهم الزمان بعدي؟ وقد تمضي بي الذكريات إلى أخبار وحوادث أعرفها وقعت في هذه البقعة إلى غير ذلك، حتى استفيق على نداء قائد الطائرة وهو يطلب فتح الأبواب، ومن العجيب أنّ هذه الحالة تأتيني كلما اقتربت من الأرض ولا أعرفها عندما ترتفع صاعدة إلى كبد السماء وقد يكون بسبب ما رأيته في أثناء الزيارة!.

 

من عادتي أيضا سؤالي صاحب التاكسي أو سائق السيارة التي أتت لتقلني إلى الفندق فأقول له: كيف حال الاقتصاد؟ وكيف الرئيس والحكومة؟

وهل دخلك يكفيك؟ وهل أنت سعيد بالأوضاع؟ ومن هذه الأسئلة التي عادةً أسجلها لقياس حال الشارع في هذه الدولة ثم إذا كتبت عنها لاحقاً أرجع إلى مذكراتي فأضيف إليها ما يفيد. ولا أظن أنّ المؤرخين اليوم كحال المؤرخين السابقين فهم لا يقيسون نبض التاريخ الخاص وإنما يكتبون عن التاريخ العام بشكله الكلي دون البحث عن الجزئيات التي تفيد الباحثين بعد ذلك.

 

قد يسأل سائل وما لنا نحن بهذه الأمور التي ذكرت؟ وأين أنت ماضٍ بنا؟ أقول: إنّ هذا السائق في هذه الدولة العربية أخبرني عن حالةٍ عجيبةٍ فبحثت عن أمرها فوجدتها كما وصفها حتى بلَّ خدي دمعي فهل تريدون أن تعرفوا ما هي؟ إنها قصة امرأة من هذه الدولة العربية التي قمت بزيارتها كانت متزوجة من أحد الإماراتيين .

وقد كان يدرس هناك ولأنه لم يحضرها معه إلى دولة الإمارات خشيةً من غضب الخلق ولم يخش غضب الخالق وقد رزق هذا المجازف ببنت منها إلا أنه تركها هناك بلا أهلٍ ولا رقيبٍ ولا أعمامٍ ولا عائلةٍ، اللهم إلا هذه الأم المسكينة التي تحاول رعايتها بما تستطيع وتعمل من أجلها.

 

وقفت وأنا في دهشة لمّا رأيتها وابنتها وقد أحضرتُ معي لعبةً للصغيرة وأنا على يقينٍ أنها لا تحتاج إلى ألعابٍ ولا مالٍ بل تحتاج إلى أهلها وعائلتها ووطنها التي لا تعرفه إلا اسما فأخذتها إلى حضني وسألت والدتها ما قصتكما؟ فقصت لي قصتها وهي تبكي، فقلت كفكفي دمعك وقولي لي هل يصرف على ابنته؟ فقالت: نعم يرسل لنا شيئا قليلا يكفي دراستها وسكنها، فقلت:

هل تريدين السفر إلى الإمارات والإقامة هناك؟ فقالت: ومن لي هناك وأنا لا أعرف أحداً!!، فقلت: وما الحلُّ إذن؟ قالت: لا أدري، فلما انصرفت تبعت ابنتها الصغيرة وقلت لها ماذا تريدين أن أحضر لك المرة القادمة؟ فقالت بكل براءة: أحضر لي ثوبا إماراتيا!! ثم انطلقت وقلبي يتقطع عليها حزنا وإذا هذه البنت وجدت والدة مخلصة تربيها ووجدت والداً يصرف عليها ولو من بعيد فما حال من لا يجد شيئا من هذا ويعيش مع أمهات غربيات لا يعرفن الأخلاق ولا الدين، وأقول أيها الشرفاء هؤلاء الأبناء في ذمّة من ؟!

 

Twiteer:@jamalbnhuwaireb