*كنت أظنُّ أنّي وشاعرنا النعيمي نتشارك في إعجابنا الشديد تجاه رائعة فزّاع الوطنية "إيمان الشعوب" وإذ بي أجد كلّ من أتكلم معه عنها يشاطرنا نفس المشاعر، وهذا هو الشعر الذي ينبغي أن يكتب ويسمع ويخلّد في ذاكرة الشعر الخالد.
وقد انتهينا أمس عند حديثي عن أهمية إختيار مطلع القصيدة الذي يحدّد هويتها ويجذب إليها القرّاء ، ويأتي بعد المطلع الفكرة الأولى للقصيدة حيث إنّ بناء القصائد يبدأ بالمطلع ثم يُؤسّس بأول المشاعر التي تتدفق من صدر الشاعر وهي التي ستكون قاعدة لكل ما يأتي من بعدها فإنْ كانت قوية تماسك البناء إلى آخر بيتٍ وإن كانت ضعيفة خرج الشعر باهتا لا لون له ولا طعم اللهم إلا مفردات عربية ووزن عروضي لا يسمن ولا يغني من جوع.
والحقيقة أنّ فزّاع بدأ في تأسيس قواعد قوية لرائعته من مطلع قصيدته عندما قال :
على الله ما سريت إلا وساق الشعر قيفانهْ
فألزم نفسه أن يتحدّث عن خبرته وأحاسيسه الخاصة حول الشعر خاصة وأنه شبه الشعر في مسراه إلى الإبداع ويرافقه الشعر الذي يسوق أمامه قوافيه فينتقي منها ما يشاء ، فما هو الشعر الذي يوجد في أعماقه يحبه ويجده مصدر بهجته وسروره؟
فكان أنْ جاء الجواب في ثاني أبيات رائعته فقال ناقلا ما يتداوله الناس عن الشعر:
يقولون الشعـر وزن وقوافي نبضـها مفنودْ
وأنا أقول الشعر حس الخفوق ونبض وجدانهْ
فهل الشعر كما يظنّه من لا علم لديه ولا خبرة هو الوزن والقافية ثم ليكن ما يكون من نظم القصيد ولو كان خاليا من الأحاسيس ركيكا ؟! لا ليس كذلك في فكر فزاع بل يجب أن يكون معبرا عن أحاسيس القلوب حتى إذا سمعت الشاعر ينشد شعره فكأنك تستمع إلى نبض قلبه وليست مفردات وأوزانا لا حس فيها ولا حياة. ثم أضاف ظنا آخر مشهورا بين الناس :
ويقولون الشعر ضيفٍ على شاعره وأنا اعودْ
وأقول الشعر ما هو ضيـفنا والناس غلطانهْ
وهذا قولٌ يعتقده كثير من الناس فيقولون إنّ الشعر يأتي للشاعر فجأة كأنه ضيف ثم يرحل بعد ذلك ولكن الشعر في وجدان فزاع هو صاحب المنزل وهو سجل التاريخ ونحن الضيوف المتغيرون عليه لأن الشعر يخلد أصحابه ويسجل في طياته تاريخ الأحداث عبر العصور، يقول :
معزّبنا الشعر وضيوفه احنا والسنين شهودْ
هو اللى سجل التاريخ في صفحات ديوانهْ
من عجيب المعاني التصويرية ما سأقرأه عليك أيها المتذوق للشعر المهتم بفنونه حيث أورد فزاع الصوت والضوء والحنين والأصل المحيط والفرع الصغير في بيت واحد فلتستمع إليه :
بروق الشعر من معنى وتعبيره حنين رعودْ
ولا تنشـف محيطاته ولو نشفن خلجانهْ
فمعاني الشعر هي بروقه التي تضيئه وهو يشير إلى الأفكار الخلاقة التي تكوّن الشعر، ومفرداته وتعبيره هو صوت الرعد وهنا يصبح التكامل بين الصوت والصورة والمقدمات والنتائج، بين ما نسمعه من لفظٍ آسرٍ كالرعد وحنينه وبين ما نراه بأعيننا من ضوء البلاغة الخاطف للأبصار فتكتمل الرهبة في القلوب لنعلم أن الشعر لو شوهدت خلجانه نشفت في مكانٍ ما أو في زمانٍ لسببٍ أو آخر فإنّ محيطات الشعر لا تنشف وستبقى رافدا للأبد . وللحديث بقية .
twitter:@jamalbnhuwaireb