النحو مادةٌ صعبةٌ على الطلاب في أيّة لغةٍ من لغاتِ العالم ولن ترى طالبا إلا ويشتكي منه لأنّ تعلم القواعد النحوية وحفظها والتدرّب على إعمالها أمرٌ شاقٌّ على النفوس التي تعودّت التحدث بما يتيسر لها من الكلام دون تحرّجٍ من الخطأ ولهذا نشأ ما يسمى بمصطلح اللهجة العامية وهي لغة الغالبية العظمى من الناس منذ العصور الأولى الإسلامية؛ لأن الخطأ في القاعدة النحوية (اللحن) بدأ في الظهور منذ زمن أبي الأسود الدؤلي حيث سمع رجلاً يلحن في القرآن فهرع إلى الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأخبره الأمر فبين له الفاعل والمفعول وبعض القواعد القليلة ثم قال له: انحُ هذا النحو يا أبا الأسود، أي أكمل القواعد بمثل ما علمتك، فاخترع أبو الأسود النحو وكان في بدايته قبل أن يصير علما كبيراً بل محيطا من المعلومات والتعليلات والنظريات.

هذا ما يقوله مؤرخو علم النحو والله أعلم بالحقيقة، وفي ظني أنّ من وضع القواعد الأولى لهذا العلم العظيم كان يقوم بتعليم الصبيان ومن لا يعرف اللغة العربية من المسلمين الجدد وكان يقول لهم وهو يعلمهم القاعدة: انحوا هذا النحو أي تحدثوا العربية مثل ما أتحدث بها فلصق به المسمى.

 اللحن (الخطأ في النحو) طبيعةٌ فينا- نحن العرب- لكننا نستطيع بتعلم القواعد أن نحصّن ألسنتنا من الزلل كما فعل الأولون وسيفعل من يأتي بعدنا، وإنْ كان النحو واجبا على كل عربي يعتز بلغته فإنه أوجب على المسؤولين الكبار والصغار ومن له علاقة بالتعليم العام والإرشاد، فما أجمل أن تستمع إلى كلمة خطيبٍ، صحيحةٍ مفرداتها سليمةٍ قواعدها، وما أشنع أن يضطرك الوقت فتجلس لتستمع إلى متحدثٍ لحّانةٍ لا يميز مفعولا من فاعل!، وقد قال الشاعر:

النحوُ يصلحُ منْ لسانِ الألكنِ

                            والمرءَ أكـرمهُ إذا لمْ يـلْحنِ

وإذا أردتَ منَ العلومِ أجلَّها

                           فأجلُّها منها مقيـمُ الألسنِ

إني لأعجب من قائد شرطة دبي معالي الفريق ضاحي خلفان فعلى كثرة أعماله وهمومه العملية فوجئت به محبا ومهتما بالقواعد النحوية وبتعلمها بل بمناقشة آراء علمائها الكبار وإبداء رأيه عندما تكثر الاختلافات النحوية وتتشتت نظريات أصحابها وهذا من اعتزازه بلغته وحبه لها، وإنّ حبها من الإيمان وإنّ تعلم العربية ليزيد في العقل والقدر كما قال أهل العلم السابقون.

 أمس جرى حوار بيني وبين معالي الفريق ضاحي من خلال حسابه في "تويتر" فسألني عن سبب اختفائي فأجبته بقول الناظم:

شغلتُ بالنحوِ وبالبيانِ

                       وإنّ هذانِ لسـاحرانِ

فلم يمرّ عليه البيت مرور الكرام وهو المولع بالنحو فأرسل لي قائلا: ما بالك خالفت القاعدة ورفعت (هذان) وحقها النصب اسما لـ (إنّ)؟ ولا أخفيكم لقد سررت بسؤاله وقلت سبحان الله كم مرةٍ بعثت هذا البيت ولم يسألني عنه أحد!! وهذا قائد شرطةٍ في إمارة من أهم المدن العالمية ويسألني عنه أليس هذا عجيبا؟ فكتبت له الجواب وبعثته له، فردّ علي قائلا: إني أعرف هذه الأجوبة وقد قرأتها من قبلُ ولكني أميل إلى أنها استثناء من القاعدة النحوية لأن جميع التعليلات الأخرى لا تروق لي، فأجبته: هو كما تقول فهي لغةٌ من لغات العرب تلزم المثنى ألفا في حالة الرفع والنصب والخفض وعليها توجيه قراءة:"إنّ هذان لساحران"، وكثر الله من أمثالك يا أبا فارس.

Twitter: @jamalbnhuwaireb