في كل يومٍ يزيدُ يقيني بأنّ لهجتنا العامية معينٌ لا ينضبُ للغة العربية بل تقوم لهجتنا بتفسير كثير من مفرداتها شاء من شاء وأبى من أبى، فلولاها ما تكلمنا الفصحى إلا بشق الأنفس ولولاها لكنا نخلط بين الذكر والأنثى، كما يفعل الأعاجم ولولاها لما تمكنا من فهم مفردات اللغة وقد نصيب المعنى او نخطئه فمن كان هنديا وتعلم الفصاحة سيبقى يفكر بالهندية ويترجم ما فكر به إلى العربية فيخرج كلامه ركيكا لا فائدة فيه.
من الطرائف أني إلتقيت شاعرا باكستانيا له وزنه وقدره عند قومه وقد طبع دواوين بالأوردية والفارسية واللاهورية وهي لسانه وكذلك العربية وقلت له : كيف استطعت أن تكتب بكل هذه اللغات فقال: فتحٌ من الله، وأحبُّ أن أخبرك بأني عارضت جميع المعلقات الجاهلية بشعر جزلٍ جميلٍ، فقلت: أنشدني فلما أنشدها كادت نفسي تهيع من ثقل ما سمعت فقلت : الحمدلله على نعمة اللسان العربي ولو كان شعبياً، ثم ما فتأ حتى أخرجالبان- وهو ورق أخضر فيه حمرة يمضغه أهل الهند-فتعجبت منه وقلت له : تمضغ هذا وأنت الشاعر الكبير!، فهز رأسه وأنشد مطلع نهج البردة لشوقي :
ريمٌ على القاعِ بينَ البانِ والعلمِ
أحلّ سفك دمي في الأشهر الحرمِ
ونطق البان بالباء الفارسية يظن المسكين أنّ البان في بيت شوقي هو نفس البان الذي يمضغه ثم تركته وأنا في عجبٍ منه .
الحالوسه لعبة بدوية عربية قديمة قدم تاريخ الألعاب العربية يلعبها الصبيان وقد يلعبها الكبار وهي لعبة قائمة على الذكاء والفطنة والصبر أعني أستطيع أن أطلق عليها شطرنج العرب ولكنها لا تحتاج إلى مجسمات ولا إلى طاولة فخمة تصفّ عليها المجسمات الخشبية، فالحالوسه لا تحتاج إلا إلى لاعبين إثنين ورملٍ بأرضٍ سهلةٍ و 5 بعراتٍ أعزكم الله- و 5 حُفر وقد تزيد فتجعل البعر في حفرةٍ ثم يقوم اللاعبان بالتناوب على أخذ البعر ووضعها في الحفر فإذا بقيت بعرتان أخذها اللاعب ووضعها أمامه وإذا بقيت واحدة تركها وفي آخر اللعبة من زاد عدد بعره فاز وغلب صاحبه وهي كما ذكرت لعبة ذكاء لا يزال البدو يلعبونها، وقد تطوع بعض الدارسين للهجتنا فذكر الحالوسه ولم يجد لها معنى ثم ذكر الحلس وهو السهم الرابع من سهام الميسر في المعجم العربي كأنه يشير بأنّ الحالوسه مشتقة من هذا السهم وهذا غريب وما شأن الحلس رابع سهام الميسر بهذه اللعبة ! وإنما هو تخبط يفعله كثير ممن اقتحموا دراسة لهجتنا من غير علمٍ ولا درايةٍ.
كما ذكرت في أول مقالتي إن اللهجة مفسرة للفصحى والعكس صحيح أيضا فقد جاء في معجم العباب الزاخر: الحَوَالِس لعبة الصبيان العرب وهي أن يُبَيَّتَ خمسة أبيات «حفر» في أرض سهلة؛ ويُجمَع في كلِّ بيت خمسة بَعَرات وبينها خمسة أبيات ليس فيها شيء ثم يُجَرُّ البعر إليها والحالس خطٌ منها. قــال عبدالله بن الزبير الأسَدِيّ:
وأسلَمَني حِلْمي وبِتُّ كـأنـنـي
أخو مَرِنٍ يُلْهيه ضَربُ الحَوالِسِ
قلت: الحوالس جمعٌ ولم يعرف أصحاب المعاجم العربية كيف كانوا يلعبونها ولا المفرد منها ولكن لهجتنا بينت المفرد فقالت حالوسه، وبينت أيضا كيفية اللعب بها .
Twitter: @jamalbnhuwaireb