أُولع كثير من المحبِّطين بنقد كلِّ من يرونه ناجحاً أو مخلصا أو مؤسسا لمشروع في العلم أو التجارة أو الإعلام يحثُّ فيه الشباب إلى النهوض ويشحذ الهمم للرقيِّ والتقدّم، بل هم يجلسون جلسة القُرْفصاء ينتظرون خطأ أو زلة فيهجمون عليه بوابل من النقد المجرّح، وقد يكون كثيباً أهيلَ من الشتائم بدون وجه حق إلا أنهم رأوه قد صار مثلا يقتدى به وعَلَماً (جبلا) منْ فوقه نارُ، وهذا من فساد الضمائر وهوى الحقد الدفين، وفيهم أنشد الشاعر :
إنْ يسمعوا سُبّةً طاروا بها فرحاً
منّي وما سمعوا منْ صالحٍ دفنوا
صمٌّ إذا سمعوا خيراً ذكرتُ بهِ
وإنْ ذُكرتُ بسوءٍ عندهمْ أَذِنوا
أذنوا أي استمعوا أشدّ الاستماع للذمّ أمّا إذا سمعوا المدح فإنهم يخفونه ويدفنونه وهذا حال كل نفس مريضة قد تمكّن الحسد منها فأصبحت خادمة له.
النقد من الأمور التي تنفر منها القلوب التي تعوّدت على المدح فقط أما القلوب الحية فسوف تراها تسعى له وتصرُّ على تصحيح مسارها، هذا إذا كان النقد صحيحاً ومفيداً ومن ناقدٍ خبيرٍ يعرف النقد وأصوله وأخلاقه، فكم من ناقد جاهل أو حاقد أو منافس أو متابع لطائفة ما فكرية أو دينية أو قومية فيكرّر ما قاله أرباب هذه الطائفة كالببغاء ولا يحرّك فكره لاختبار قادته فقد تعوّد على الانصياع وعدم المناقشة كأنهم معصومون عن الزلل وغيرهم يسبحون في بحر من الأخطاء!!.
بدأ الأستاذ أحمد الشقيري ببرنامج سماه »خواطر« من عدة سنوات ولم أكن متابعا له حتى صادف أني كنت عند أحد الأخوة في رمضان قبل الماضي فشاهدت حلقة منه فأعجبتني جدا وحرصت على متابعته فقد وصلت كلماته إلى قلبي لسهولة عرضه وحرصه الشديد على النهوض بهذه الأمة ، ومن أجمل ما رأيته في الشقيري أنه لا يتوقف عند وصف الداء بل يصف الدواء عن طريق المقارنة بين دولة ودولة وهذه هي القدوة العملية، وهي سر نجاح برنامج »خواطر«.
خرج علينا الشقيري في أواخر حلقات برنامجه خواطر 6 معتذرا عن بعض الأخطاء القولية التي صدرت منه والتي أثارت حفيظة بعض المشاهدين وقد طلب من الناس تنبيهه على الأخطاء إذا وقعت فما من أحد معصوم إلا من عصمه الله، وطلب أيضا مناقشة أفكاره وليس باتهامه في شخصه ونيته.
هذا الأمر أثلج صدري خاصّةً إذا علمنا أنّ الأستاذ أحمد لم يدّع يوما أنه مفتٍ ولا من علماء المسلمين بل هو أحد المخلصين النّاصحين، ولا يتطرّق إلى أمور الفتوى في كلامه وإنما ترد عفواً كما هو الحال في هذا النوع من البرامج الإصلاحية.
لا أريد أن أذكر الأخطاء التي انتقد عليها ولن أذكر من أساء إليه واتهمه باطلا بغير حجة مقبولة بل أدعو الأستاذ أحمد الشقيري أن يتحرّى الحقّ في المعلومة التي سيلقيها على الناس لأنها مسؤولية أمام الله وأنت تفعل ذلك ولكنه تذكير لي ولك فالذكرى تنفع المؤمنين، وأدعو كذلك كلّ من يجد خطأً ما أن يتثبّت منه أولاً ثم يحاول تصحيحه بتنبيه صاحبه من غير تجريح ولا اتهام وليتق الله تعالى. وللحديث بقية.